كتب/ عمر محمد حسن- باحث في الدعاية
كان يعتقد طبيب العيون الذي تحول إلى جزار أن العالم بات مُخدرًا وباستطاعته قلع عيون الثورة في إدلب بينما العالم منشغل بالحرب بين الصهاينة وحزب الله في جنوب لبنان والأخرى بين حماس والصهاينة في غزة ناهيك عن أوكرانيا.
لم يأبه لتحركاته بمعية الروس أحد في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي؛ فجرائم إسرائيل على ميمنة سوريا سرقت أنظار العالم؛ فشرعت قوات الأسد ومعه الروس بتنفيذ غارات جوية مكثفة على أخر معاقل الثورة ضنًا منهما استغلال ما يحدث في غزة ولبنان للدخول إلى إدلب؛ وهو ما يناقض اتفاقية خفض التصعيد ’’أستانا‘‘ في 2017م؛ التي ضمت اللاعبين الدوليين في سوريا (إيران وتركيا وروسيا) لكن بنقض النظام للاتفاقية حمل المعارضة على الدفاع عن إدلب.
للمعارك العسكرية هجومية كانت أو دفاعية تسميات (شعارات)؛ وكل شعار يختلف عن الأخر والذي يدخل ضمن إطلاق الشعارات في الدعاية؛ ففي حالة الهجوم تُعطى العمليات العسكرية اسمًا هجوميًا ’’السيف البتار‘‘ أو ’’بتر رأس الأفعى‘‘ مثلًا؛ فيما ’’حائط الصد‘‘ أو ’’الدرع الواقي‘‘؛ شعارات دعائية دفاعية؛ ترمي جميعها إلى رفع الروح المعنوية وهو ما تم فعلًا لدى الثوار السوريين الذين استخدموا ’’ردع العدوان‘‘ شعارًا لصد العملية العسكرية للأسد وحلفائه الروس والإيرانيين قبل شهرين تقريبًا فيما لم يستخدم النظام أي مًسمى أو يكاد مما يعكس حالة التخبط العسكري والنفسي لديه ويوحي بعدم استعداده الكامل للمعركة أو على اقل تقدير عدم معرفة النهاية.
وكأول شعار؛ يرافق العمليات الحربية؛ أُستخدم في الحالتين؛ دفاعًا وهجومًا؛ لدى المعارضة السورية لكن بفارق زمني -قرابة شهرين تقريبًا- ففي مساء 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ أي بعد توقيع إٍسرائيل ولبنان اتفاقية توقيف الحرب فجر ذلك اليوم؛ بدأت القوات العسكرية للمعارضة بالتحرك؛ صوب حلب (70) كيلو تقريبًا من ادلب؛ واعتمدت المعارضة السورية على إستراتيجية بث الخوف؛ من خلال حديثها عن السيطرة على عشرات البلدات في ريف حلب الجنوبي والجنوبي الغربي؛ وإيراد العدد هنا يدخل ضمن الاستمالة المنطقية فالاعتماد على الأرقام والإحصائيات تعطي مصداقية أكبر حتى لو كانت المعلومة كاذبة أو مبالغ فيها خاصة والأمر متعلق بالسيطرة.
بدأت ’’غرفة العمليات العسكرية‘‘ ومقرها إدلب مخاطبة ثلاثة أنواع من الجهات؛ الجهة الأولى: أتباعها العسكريين الذين يتوغلون في جغرافية النظام إلى جانب حاضنتها الاجتماعية في الداخل السوري والشتات؛ وخاطبت الجهة الثانية: جيش الأسد وكل من يؤمن به؛ والجهة الأخرى: الخارج سوى كانت دولًا ومنظمات ومؤسسات.
تمحور الخطاب الدعائي منذ الرصاصة الأولى؛ بين الإلهام والإحباط والتطمين للأخر خاصة الطوائف الأخرى: كُرد؛ ومسيحيين وعلويين وشيعة وإسماعليتين ودروز؛ أرمن؛ ولم يكن الخطاب الدعائي مقصور هنا على غرفة العمليات العسكرية؛ فكان دور الصحفيين السوريين والنشطاء الموالون للمعارضة هم الأخرين ماكينة دعائية مساندة أصابت نظام الأسد في مقتل ابتدأ من هادي العبدالله وليس انتهاء بالألاف من الأسماء الأخرى بمواقع التواصل الاجتماعي؛ في الداخل والخارج؛ وشكل مضمون وسائل إعلام عربية وأجنبية رافدًا دعائيًا استفادت منه المعارضة بشكل كبير.
خاطبت المعارضة أنصارها عسكريين ومدنين بالإضافة للطرف الأخر بالأساليب الدعائية القائمة على: ’’بث الصور‘‘ فيديو وفوتوغراف مما يعزز المصداقية؛ وبدأ للمشاهد التفوق العسكري للمعارضة من خلال بث مشاهد اصطياد الطيران المُسير ’’شاهين‘‘ للدبابات والثكنات التابعة للنظام مما يعزز من احتمالية نصر الثوار؛ والربط هنا في اللاواعي بين دور الطيران المسير الذي استطاع حسم المعركة في ليبيا وأذربيجان وأثيوبيا وسطوته في السودان وحتى في معركة حزب الله وحماس من جهة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى؛ وبين ما تقوم به الطيران المُسير للمعارضة السورية؛ وسبق للدعاية الأمريكية أن استخدمت الأسلوب نفسه إبان الغزو الأنجلو أمريكي للعراق في 2003م فيما يخص سطوة صواريخ ’’كروز وتوماهوك‘‘ مفاده: أن هذه الصواريخ ستحسم المعركة حتمًا.
استخدم الألة الدعائية للثوار أسلوب التفوق العسكري واستعراض القوة من خلال الصور مفادها: ’’بأننا الأقوى والأقدر على ضرب نظام الأسد؛ مما يوحي بأن لا جدوى من محاولات الأسد صد أو اعتراض التوغل؛ وأسلوب الاستناد إلى سلطة: ’’إن الشرعية هي شرعية الشعب والثورة؛ لا شرعية البعث الذي يستعبدنا واباه لنصف قرنٍ من القهر‘‘؛ وتضمن أسلوب الروح المعنوية: ’’سيطرنا على ثلاثين بلدة في الريف الحلبي والهدف منه صناعة الإحباط في صفوف الأسد؛ لما للأرقام والإحصائيات من تأثير في الرأي العام‘‘.
وتمحور أسلوب نزع الشرعية عن النظام مفاده: ’’هذا النظام جعل من سوريا مرتع للإيرانيين والمرتزقة الباكستانيين والأفغان والعراقيين واللبنانيين واليمنيين‘‘ مما يظهر النظام الذي يتقوى بالخارج لقتل الشعب السوري بالمجرم؛ فيما حوى أسلوب التشويه؛ في تحويل النظام سوريا إلى قم أخرى ونشر التشيع في بلاد سُنية مما يثير حفيظة الشعب السوري؛ وأتى الأٍسلوب القومي للتأكيد على أن سوريا عربية للسوريين بكافة طوائفهم؛ وهذا لا يختلف عن أسلوب التطمين والذي يهدف الثوار من خلاله تطمين اللاجئين في الشتات والنازحين في الشمال بأنهم سيعودون إلى حلب كما هو الحال تطمين جيش الأسد بالقول الزموا بيوتكم؛ والعسكريين: القوا السلاح؛ والأقليات المسيحية: مارسوا شعائركم بحرية؛ نحن سنحميكم؛ والتطمين لم يقتصر على المجال العسكري بل تعداه لمجالات أخرى؛ كالمجال الأمني: سنؤمنكم وننشر الأمن؛ والاجتماعي: للعلوين مستقبل في سوريا الجديدة.
حاولت وزارة الدفاع الروسية ومعها السورية؛ بالحديث عن تنفيذهما لضربات جوية حالت دون تقدم الثوار صوب حلب المدينة؛ لكن بوصول أول دبابة للثوار إلى حي الحمدانية أسقطت هيبة الأسد والجيش الأحمر معه؛ ومعها أخذت الصور الثابتة والمتحركة تتحدث عن تطهير جميع أحياء مدينة حلب من براثن الأسد والمرتزقة الإيرانيين؛ وبدأ التدفق الإخباري لوسائل الإعلام العالمية والوكالات بالحديث عن هزيمة الأسد؛ ويأتي هذا الإجراء ضمن الاستمالة العاطفية التي تستند إلى ’’ الاستشهاد بمصدر‘‘؛ وأي مصادر يضاهي الوكالات العالمية؟ التي أوردت خبر تحرير الثوار لمدينة حلب في ظل الحديث عن نبل المُحررين؛ أي أن هذه النقطة أماطت التهمة عن أبو محمد الجولاني الموصوم بالإرهاب إبان زعامته لجبهة النصرة؛ التي تأسست بعد الثورة ولا أحد ينكر أن الإعلام العالمي كان مُؤيدًا للمعارضة السورية نكاية بالأسد ومن خلفه إيران وروسيا؛ وهو المصدر الدعائي الوحيد -أي الإعلام العالمي- الذي خاطب الخارج بخلاف دعاية المعارضة التي انحصرت على الداخل والإقليم العربي فقط.
لم يكن نقل أخبار حلب وحدها هي من سوقت للثوار السوريين مدنيتهم على خلاف ما تذهب إليها الدعاية الإيرانية وأدواتها في المنطقة؛ وعزز هذا التوجه مقابلة قناة (cnn) بالعربية؛ الجمعة 6 ديسمبر مع زعيم جبهة تحرير الشام وقائد غرفة العمليات العسكرية لعملية ردع العدوان والذي ظهر لأول مرة في الإعلام العالمي باسم لم يألفه السوريين من قبل ’’أحمد الشرع‘‘ وهذا أعطى الرجل قبولًا في الخارج حيث ظهر بأسلوب مختلف وبدأ عليه العقلانية في الطرح والتطمين وما أظهره من رغبة الثوار في التعايش السلمي في ظل العهد الجديد.
استخدمت وزارة الدفاع السورية لإشاعة الأمل؛ أو الأماني وهي عادة ما تستخدم للتغطية على الانكسارات والهزائم فهي أسلوب ناجع لإعادة بث الروح المعنوية لأنصارها مدنين كانوا أو عسكريين؛ قالت إنها انسحبت من حلب إلى خارجها لإعادة التموضع والانتشار والإعداد لخطة عسكرية من شأنها استعادة المدينة التي سقطت بأيدي من أسمتهم بالإرهابيين؛ وبالرغم التطمين إلا أنها أقرت ضمنيًا بالهزيمة لكن استخدام أسلوب الأمل طريقة ذكرية منها للمحافظة على أخر ما تبقى من إستراتيجية التفاؤل لديها.
لم تترك قوات المعارضة الأسد فرصة لالتقاط الأنفاس بعد انسحابه الأخير من حلب؛ بل سارعت المعارضة على استكمال السيطرة على ريف إدلب؛ وباتت سراقب ومعرة النعمان أراضي محررة بالكامل؛ ونفذ معه الطيران الأسدي والروسي غارات مكثفة على إدلب وحلب وإعلانهما عن مقتل من ’’200-300‘‘ إرهابي بحسب تسميتها؛ التي لم تخرج عن كلمة إرهابي بهدف التشويه؛ والتي تتقاطع مع الأسلوب الدعائي ’’إطلاق النعوت‘‘؛ وشكل الإعلام الخليجي هذه المرة رافدًا كبيرًا في هذا المضمار واصفًا قوات المعارضة السورية بقوات جبهة النصرة والهدف منه شيطنة الثوار السوريين ووصمهم بالإرهابيين كما لو كانوا ’’فاجنر‘‘ والذي يأتي ضمن توحيد الدعايتين الإيرانية والخليجية لأول مرة ويكمن السبب الأخير في النكاية بالإخوان المسلمين والربيع العربي؛ (فوبيا الخليج).
مع أن الإحصائيات أبلغ لغة دعائية لكن غير مجدية في معركة حلب والحديث عن مقتل ألف أو حتى عشرة ألف من الثوار لا تخدم النظام كون المعيار هنا الجغرافيا وحتى أنها لو استخدمتها المعارضة غير مجدية أيضًا؛ الناس تنظر إلى المناطق لا إلى القتلى؛ فهذه الطريقة مجدية دعائيًا في غزة أو لبنان لكن في سوريا المعيار هو معيار السيطرة؛ سبق وأن استخدمها الحوثيون في معركة عمران -2014م- في اليمن حيث أن سقوط ألفين مقاتل حوثي على أسوار اللواء ’’310‘‘ مدرع لا تعني شي في قاموس الحرب النفسية بقدر أهمية السيطرة على محراب القشيبي؛ أخر العسكريين الشجعان والأوفياء في اليمن.
وسط فرحة تحرير حلب؛ أصدرت غرفة العمليات العسكري لعملية ردع العدوان؛ أوامر بعدم المساس بالمسيحيين واحترام طقوسهم والسماح لهم بتأدية صلواتهم وقرعت معها أجراس الكنائس وباتت حلب أكثر أمنًا كما يقول الثوار؛ من شأن هذا الحديث أن يطمن المسيحيين أنفسهم وبقية الطوائف؛ لم يكن الثوار بدائيين بقدر براعتهم في الحرب النفسية فالاستشهاد بالقساوسة المسيحيين والحديث بألسنتهم عن مدى رضاهم بتحرير حلب وصورة الثوار الذهنية خلق انطباعًا إيجابيًا حتى لدى الدول الأخرى التي تدين بالمسيحية ورأينا دولًا أوروبية تشيد بالثوار؛ واستغلت المعارضة السورية ضرف المعركة للخطاب بأسلوب العوام وهو من الأساليب المهمة في الدعاية فتحدثت بلسان المسيحيين في حلب (الشمال) والدروز في السويداء (الجنوب) والعلويين في بانياس (الغرب) والشيعة في الزهراء (الشمال) والكرد في القمشلي (الشرق) والإسماعليين في حماه (الوسط).
وبالرغم من حالة العداء مع إيران؛ لكنهم طمئنوا حتى إيران نفسها؛ بعدم التعدي على بلدتي ’’نبّل والزهراء‘‘ والواقعتين في الريف الحلبي -20 كليو من مدينة حلب- ؛ ذات أغلبية شيعية؛ مما يعزز شعور الأمان لدى المعارضين للثوار السوريين؛ حلب تعني لنظام الأسد الكثير بقدر ما تعني للثورة أيضًا؛ ومع إحكام سيطرتها على حلب المدينة بات القصر الجمهوري في المدينة ومعه المطار المدني وكويرس العسكري وكلية الطيران والأكاديمية العسكرية ومبنى المحافظة ومقر قيادة الشرطة والجامع الأموي وقلعة حلب التاريخية ومبنى المحافظة ولرمزية هذه المرابض قيمة معنوية كبيرة سحقت معها هيبة الأسد فيما استخدم الثوار أسلوب الاستشهاد ببشارة صلاح الدين الأيوبي؛ ’’ما سُررت بفتح قلعةٍ أعظم من سروري بفتح قلعة حلب، فإذا فتحت حلب فتحت الشّام كلها بعون الله‘‘ مما يعطي هذا الأسلوب بعدًا ديني مُقدس؛ والدعاية الدينية هنا هي أكبر أنواع الدعايات استخدامًا في الحروب على مر التاريخ.
إن إيراد مسميات المنشئات المدنية منها والعسكرية التي سقطت بأيدي الثوار لها مدلولات كبيرة بقدر الأرقام؛ وأخذت السخرية طريقًا لها في معركة حلب التي لم تحدث إطلاقًا؛ على اعتبار أن المدينة سقطت بلا قتال بحسب الثوار -وبالرغم من محدودية المواجهات- وأخذ الحديث يدور بأن هذه المدة الزمنية للسيطرة عليها لم تتجاوز ست ساعات؛ حد قول الثوار والهدف من هذا التقليل من قوة الأسد للمدينة التي كانت يومًا ما معقلًا لقوات الرضوان التابع لحزب الله اللبناني وحركة نجباء العراقية وجميع المرتزقة العابرين للحدود.
سار الثوار على الطريقة المغولية في الحرب النفسية؛ والتي تتمثل في بث الرعب المُسبق من خلال الحشود؛ لكن النظام لم يخف تخوفه من تقدم الثوار أكثر وسار هذا الخوف ككرة ثلج مع سيطرة الثوار على الخط الدولي الرابط بين دمشق وحلب من جهة وحلب اللاذقية من جهة أخرى؛ وبات النظام وجلًا كأوراق الشجر وبقدر تخبطه عسكريًا كان متخبط دعائيًا ايضًا؛ مارست المعارضة فنونًا في الخدع وبما أن الدعاية هي نصف حقيقة يصدقها المتلقي على المدى القريب؛ وهو ما حدث فعلًا مع خروج الثوار من الحدود الإدارية للريف الحلبي ووصولهم الريف الحموي.
وعلى غير المألوف دارت مواجهات محدودة في جبل ’’زين العابدين‘‘ المطل على مدينة حماة؛ والممانعة التي أظهرها النظام في الجبل أعطى أنصاره تفاؤل مؤقت بقدرة ’’الجيش العربي السوري‘‘ على دحر الإرهابيين بحسب تسميته؛ لكن المعركة حُسمت لصالح الثوار بفعل الطيران المُسير وبثت المعارضة صورًا لقوات النظام تفر من الجبل؛ ولم يشفع تهديد النظام ووعيده باصطياد المتوغلين على أبواب حماة.
لم تقل السيطرة على حماة أهمية عن حلب؛ عمدت معها المعارضة على أسلوب استدعاء التاريخ واستحضار مجازر نظام الأسد على المدينة وحمص في 1982م؛ والهدف منه استمالة الإخوان المسلمين المشاركين هم الاخرين ضمن قوات المعارضة؛ إلى أن النظام لم يكن بمقدوره المناورة لدى أنصاره الذين فقدوا فيه الأمل؛ وكرر معها للمرة الثانية الأماني وبقدرته على طرد الإرهابيين من خلال الحديث المتكرر ’’انسحبنا إلى خارج المدينة من اجل إعادة التموضع والانتشار‘‘ وبالرغم من أن لكل إشاعة عمر افتراضي؛ ولم يعد بمقدور الأسد ضبط الإيقاع حيث سار الثوار إلى حمص كما لو كانوا نهر العاصي.
غرفة العمليات العسكرية كانت تطمئن السوريين بتأمين المدن كما هو الحال لتأمين الطوائف والحديث عن وجهتهم ’’دمشق‘‘؛ والأخيرة سقطت فعليًا يوم سقوط حمص؛ صحيح أنه لم يدخل الثوار القادمين من إدلب مدنًا كدرعا والسويداء والقنيطرة؛ إلا أنها سقطت بيد الثوار أبنائها وهو ما طوى حبل الهزيمة على رقبة الأسد -طويل العنق- قصير البصيرة؛ سقطت هيبة الجيش السوري في بدايته في حلب حيث شكل سيطرة الثوار على أسلحته وألياته عقب الفرار المذل من المدينة ضربة قاضية كما هو الحال لبشار الأسد الذي تراجعت قداسته لدى أنصاره مع سقوط الأصنام التي تحاكيه واسرته أبًا وإخوانًا؛ وبدت تتهاوى تماثيل بشار في كلًا من حلب وحماة وحمص ودرعا والسويداء وحتى اللاذقية؛ وسقوط التماثيل هنا هو السقوط الفعلي للأنظمة الذي تضاهي سقوط الرايات والأعلام والبيارق قديمًا فلهذا يغلب طقوس الهزيمة لمن تسقط رايته وعلمه في أرض المعركة.
مع تحرير المدن؛ فتح الثوار أوكار السجون سيئة الصيت وتحدثت المعاناة من ملامح السجناء الذين يتقاسمون السجون بعشرات الألاف بين إخوان مسلمين على ذمة أحداث حمص وحماه في 1982م والنصف الأخر ثوار 2011م؛ مع إفراغ السجون حظيت المعارضة معها باحترام السوريين؛ إلا أن سجن صيدنايا فتح الباب للعالم رؤية إجرام بشار رأي العين؛ حتى أن أنصاره هم الأخرين لم يتوقعون بشاعة زعيمهم المفترض؛ فضلًا عن الحلفاء لأن ما اقترفه لا يمكن لعقل أن يتخيله على الإطلاق.
استسلمت مدينة مشيل عفلق للذعر وانتابها الخوف والفزع؛ ومع تطويقها من جميع الاتجاهات؛ باتت دبابات الثوار تحاصر المدينة التي استباحها الأسد بالوراثة؛ بدت المليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية بسحب قواتها كما هو الحال للأسد الذي فر وتبين لاحقًا أنه اتجاه صوب روسيا أعلنت معها وزارة الدفاع استسلامها ودخلها الثوار بلا قتال؛ والتعريج على هروب الأسد إلى روسيا وليس إلى إيران فتح معه أسئلة كثيرة كون الرجل المؤمن بإيران لمجرد أنه تحول معها لبيدق لا يخلف لها وعدًا ولا يرد لها طلبًا؛ كيف انه لم يأوي إليها؟ فالرجل الذي وصفه وزير الخارجية الإيراني بأن جيشه لم يقاتل بالشكل المطلوب أخذته العزة بالأتم مؤخرًا وضن أن بعودته إلى الجامعة العربية وتطبيع السعودية والإمارات معه سينجيه من طوفان الثورة؛ لكن لا عاصم من أمر الله.
وتتلخص تكنيكات الحرب النفسية قبل دخول دمشق؛ بتحقير النظام الذي يقتل السوريين في المعتقلات؛ والتكرار من خلال الحديث عن قوة المعارضة وضعف النظام؛ وصناعة الإحباط من خلال الحديث من أنه لا جدوى من المقاومة وأسلوب كل الشرور الذي يرمي معه كل الموبقات لنظام الأسد والمرتزقة الإيرانيين والتعميمات البرقة؛ التي تتمثل في: سنؤسس نظام قائم على الحرية والديمقراطية وسنطهر سوريا من الغزاة الإيرانيين بالإضافة إلى التشكيك بقدرات الجيش السوري التابع لنظام الأسد وتحسين الصورة الذهنية للثوار الساعين للخلاص من الدولة البوليسية وأسلوب القطيع كونه يؤطر الجميع في صف المنتصر والرغبة في الوقوف في صف الأقوى؛ وتقاسمت المعارضة السورية والنظام أعلام كلًا منهما في المعارك؛ العلم السوري وعلم الثورة لما للرايات من مدلول في وجدان الأتباع.
فيما يتلخص تكنيكات النظام ومن خلفه إيران وبالرغم من أنها لم ترق إلى مضاهات المعارضة؛ واستعملت أسلوب الاستضعاف والاستعطاف؛ من خلال الحديث عن مظلوميته وفي ظل حديثه عن إجرام من ينعتهم بالإرهابين الذين ينحدرون من جبهة النصرة واستعطاف حاضنته الاجتماعية والطائفية واستمالة دولًا بعينها لتقديم السلاح ودعوة حزب الله ومليشيات الحشد العراقية للعودة إلى سوريا كما تم استخدام الأسلوب الديني للحديث عن خطر تدنسي المقدسات الشيعية كقبر السيدة زينب؛ مع التعريج لأسلوب التفرقة والوقيعة؛ كيف للإخوان المسلمين أن يقاتلوا إلى جانب تنظيم القاعدة في إشارة إلى جبهة تحرير الشام التي تنحدر من جبهة النصرة قبل أن يتم تغير إسمها..؟؛ وأسلوب التذكير؛ والتحقير وهذا الأسلوب يخاطب الإخوان؛ نحن نقاتل إلى جانب حماس في فلسطين كجبهة إسناد ومقاومة وأنتم تطعنون في ظهورنا من الخلف؟ بالإضافة إلى خلق عدو وهمي وهو أسلوب يرمي في مجمله إلى تصوير الثوار السوريين بأنهم موالون لأمريكا وإسرائيل وهما من دفعتا بهم نكاية بسوريا المقاومة كما ذهب إليها الخميني نفسه؛ إلى جانب أسلوب إلقاء اللوم: كيف تستغلون انشغالنا بالحرب مع إسرائيل وتفتحون جبهة في سوريا ضد من يحارب إسرائيل؟
وفي الأخير ستجد الماكنة الدعائية للسعودية والإمارات نفسها عاجزة هذه المرة في إقناع أرملة حموية فقدت زوجها في صيدنايا بفوبيا الإخوان فضلًا على شعب ذاق الويلات في ظل حاكم ديكتاتور؛ من تصفهم إيران بالقاطنين على ضفاف خليجها الفارسي يستميتون في تحسين صورتها الذهنية؛ بلا مقابل نكاية بالأعداء المفترضين.
نبض ابين