كتب بواسطة/ أصيل الكهالي
في عدن، حيث تَضيق الأزقّة، وتَتّسع الأرواح، حيث تنساب الأزمان بين الحواري والطرقات كما لو كانت خيوطًا من ذهب، يظهر مسجد الإمام أبي بكر العدني العيدروس كحصنٍ شامخٍ على مر العصور، وكأنْ لم يمسّه شيء من زبد الزمان ! فيتحدّى كل محاولات التغيير ويظلّ في مكانه، ثابتًا كالجبل، وكأنّما لا يشيب، إذ بُني في عام ٨٩٠هـ، ورغم مرور قرون من الزمن، لا يزال كما كان، لا يذبُل ولا يهرم، وكأن الروح التي سكنت فيه منذ ذلك الحين لم تغادره قط ⛰️
الصلاة فيه ليست مجرد أداء حركات، بل هي رحلة عميقة إلى داخل الذات، إلى الروح، روح المسجد هي التي تُصلّي فينا قبل أن نصلي فيه، أنفاس الذكر التي تنبعث منه تفتح النوافذ على العالم الآخر، وتزيد القلوب إيمانًا وطمأنينة، هو ليس جدارًا ولا مئذنة، بل هو مقامٌ بُني على أساس من الإيمان العميق، مقامٌ لا يُمسّ مهما تلاطمت عليه عواصف الحياة، حيث يظل ثابتا وسط زمنٍ يحاول أن يقتلع الهوية ويطمس الذاكرة 🌿
في الصورة، التي التقطها المَجَرِيّ رودولف هيربست Rudolf Herbst في عام 1982، يظهر المسجد كما هو الآن، كما لو أن الله تولّى حفظه برعايةٍ خاصّة، توسّع وتجدّد ورُمِّم، لكنّه لم يتغيّر في جوهره، لأن من بناه، بناه بُنيّةٍ لا تهرم ولا تموت.، والجامع اليوم، كما كان بالأمس، مكانٌ للطهر، وموطنٌ للذكريات، حيث يظل يحتفل بالمواسم الطيّبة، ويظلّ يرفع راية البَرَكة في ظل المآذن، هناك، حيث لا يُنسى شيءٌ من رحمة الله، وتظلّ الروح هناك معلقة بعبق الزمان، فكلّ من مرّ من أمامه أو دخل فيه يترك شيئًا من الطمأنينة خلفه، تاركًا أثرًا عميقًا في القلب 📸
لا يزال المسجد يحتفظ برونقه، يلمع كالمرآة التي تعكس هدوءَ الروح، هنا، يستمرّ الدعاء في الأروقة التي تعرّضت للزمن، ولكنّها لم تسقط. وفي كل زاوية، تجد سرًّا من أسرار الطمأنينة والسكينة، وكأنّ الزمان لم يستطع أن يزيل منه شيئًا، المصلّون فيه لا يدخلون فقط للصلاة، بل يدخلون ليتجدّدوا، ولتنمو في قلوبهم بذور الطمأنينة التي لا يمحوها شيء من ضجيج الحياة 🪞
يظل هذا المسجد، كما كان، مشهدًا للهدوء والسلام، ومحضنًا للقلوب التي تطمئن عندما تلتقي بأرضه الطيبة، وكأنّه هو الذي يبقى ثابتًا وسط العالم المتغيّر، ليذكّرنا بأن ثمة أماكن لا تزال تحتفظ بالبركة، حيث لا تُنسى السكينة، ولا يُرفع عنها النور 📿
أصيل جمال الكهالي – عدن
الأحد 15 شوال 1446هـ
موافق 13 ابريل 2025
نبض ابين