مقال رأي بقلم _ الأستاذ أحمد العبيد
لا أحد عاقل يمكنه أن يصدق أن ما يجري الآن في قاعات بورتسودان المغلقة هو “حوار سوداني سوداني”. ما يجري هو إعادة تدوير لمشروع واحد قديم، مشروع جماعة الإخوان المسلمين الذي ظل لعقود يلتهم الدولة ويعيد إنتاجها كلما انهارت على رؤوسهم. هذه المرة يعودون بنفس الأدوات ونفس الكذبة: لافتة الحوار كغطاء لحرب لم تتوقف، وغطاء سياسي لسلطة عسكرية يمسكون بخيوطها من الخلف. نفس العقول التي أجهضت الانتقال المدني الديمقراطي، ونفس القيادات التي هربت من الاستحقاق الانتخابي ومن ميادين الثورة، تجلس اليوم لترسم مستقبل بلد لم يتركوا له مستقبلا حين حكموا. الهدف واضح ولا يحتاج إلى فك شفرات: شرعنة الأمر الواقع، وتجميد ملفات العدالة والمساءلة، وإعادة تدوير الوجوه التي قادت البلاد إلى الخراب.
الخطر لا يكمن في الدعوة فقط، بل في مصنعها. بورتسودان اليوم ليست منصة وطنية، بل واجهة إدارية مؤقتة تدار بقرارات أمنية ضيقة وتخضع لنفوذ تيار واحد يعرف جيدا كيف يفصل القوانين والمقاعد على مقاسه. أي حديث عن حوار وطني في مكان تغيب فيه الصحافة الحرة، وتقصى فيه لجان المقاومة ونقابات المهنيين، ويستدعى فيه الموالون ويوضع المعارضون في قوائم التجميد، هو اعتراف مسبق بالفشل. الإخوان لا يؤمنون بالحوار كقيمة، هم يؤمنون به كتكتيك. يستخدمونه عندما تضيق عليهم الميادين، ويلقونه جانبا عندما يمسكون السلطة. سجلهم معروف: احتكار، تمكين، تدمير مؤسسات، ثم الخروج ببيان “مصالحة” عندما تنكشف الفضيحة.
ما يسمى “مبادرة البرهان” ليس إلا ذراعا سياسية لهذا المشروع. غرف التخطيط معروفة، والأسماء التي تدور في الكواليس معروفة، والهدف معروف: شراء الوقت، وامتصاص غضب الشارع، وصناعة تسوية تحفظ امتيازات كتلة بعينها على حساب دماء السودانيين. جماعة ظلت لسنوات تتاجر بالدين وتتاجر بالوطن، وفشلت في صناديق الاقتراع وفشلت في إدارة الدولة، تحاول الآن العودة من الباب الخلفي عبر مؤسسة عسكرية مختطفة. يريدون إقناعنا بأن الحرب يمكن أن تنتهي بتوزيع كراسي، بينما يتجاهلون جذور الأزمة ويتجاوزون الشهداء ويضعون العدالة في آخر الصفحة. هذا ليس حلا، هذا تمديد للأزمة بعنوان جديد.
الحقيقة التي يجب أن تقال بلا مواربة: السودان لن يخرج من هذه الدائرة المغلقة ما دام مشروع الإخوان المسلمين حاضرا في غرف القرار. شعبنا الذي خرج في 2019 ودفع الثمن غاليا لن يقبل استبدال حكم الفرد بحكم الجماعة، ولن يقبل العودة إلى مربع التمكين المقنع. الطريق الوحيد لإنهاء الحرب واستعادة الدولة يبدأ بوقف العدائيات فورا، ثم حكومة مدنية كاملة الصلاحيات، ثم محاسبة كل من أجرم، ثم عملية سياسية شاملة لا مكان فيها لمن تلوثت أيديهم بالدم ومن صنعوا الحرب. على لجان المقاومة والقوى المهنية والنقابية وجماهير الثورة أن ترفض هذا الفخ، وأن تقول بصوت واحد: السودان أكبر من مشاريع الجماعات، وأكبر من الذين يريدون اختطافه باسم الدين وباسم الحوار.
نبض ابين