*كتب / علي منصور مقراط*
في كل زيارة أو رحلة علاجية لي إلى قاهرة المعز، أحرص على زيارة معظم رموزنا الوطنية المقيمين هناك حبًا لهم، وتفقدًا لأحوالهم، واعتزازًا بتاريخهم النضالي والسياسي.
آخر زيارة لي للمناضل والسياسي العدني الحر الشجاع أنيس حسن يحيى كانت في يوليو العام الماضي، بصحبة عطر الذكر فخامة الرئيس علي ناصر محمد، حفظه الله ورعاه وأطال عمره. فقد اتفقنا، ومعنا كوكبة من الشخصيات، على زيارة كل من المناضل الوطني الكبير محمد سالم باسندوة والدكتور مهدي عبدالسلام، ونختتمها بزيارة مع جلسة طيبة ووجبة عدنية جميلة وذكريات في رحاب الرجل الطيب، نظيف اليد، الشهم، المغفور له أنيس حسن يحيى، رحمه الله عليه.
حين دخلنا إلى شقته في حي العجوزة وسلم عليه الرئيس علي ناصر، كان مبتسمًا فرحًا بشكل لا يوصف، مع أنه مقعد على الكرسي. قال يومها: “يزورنا الرئيس، ويفترض أننا نحن من نزوره، لكن الزمن دوار”.
أطلت رفيقة دربه أم الخير وهي تقول: “يا أبو جمال، فجر اليوم صحا أنيس وهو يقول لي: جهزيني تمامًا، أنا أستقبل اليوم الرئيس علي ناصر محمد”. وطوال اليوم وحتى المساء لم يعرف النوم، أحيانًا يقرأ كتيبًا أو يتفرج على التلفاز ويطرب له، متسائلًا: “هل اقترب الوقت من مجيء الرئيس ومرافقيه؟ وهل أعددتِ لهم وجبة العشاء تمامًا؟”.
ضحك الجميع لحظتها، وكانوا وزراء سابقين ومحافظين وسفراء. فرد أبو جمال: “لسنا بحاجة أن نثقل عليكم، يكفي زيارة رفيق دربي أنيس والاطمئنان على صحته، وواحد شاهي عدني”.
كانت ليلة عدنية بامتياز مع مرتبة الشرف العليا في حضرة الراحل أنيس حسن يحيى لما يزيد على ثلاث ساعات. شعر أنيس وكأنه يقلب شريط الذكريات لاجتماع المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني برئاسة الأمين العام، رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى علي ناصر محمد، أو اجتماع لقيادة وزارة الثروة السمكية.
اختتمت الزيارة، وكتبت ليلتها مقالًا بعنوان: “ليلة عدنية في رحاب المناضل أنيس حسن يحيى بحضور الرئيس علي ناصر محمد”.
وفي الزيارة السابقة كان بطل تنسيقها السفير العدني الدكتور علي عبدالكريم والمناضلة سيدة الأعمال نجلا شمسان، وبالمثل كانت الزيارة مساءً، والأخت نجلا حرصت، إلى جانب التنسيق للزيارة، على وجبة العشاء المميزة أيضًا، مع أنها تأخرت في الوصول بعد مغادرتنا. فهذه المرأة الرائدة تمتلك قلبًا أبيض وكرمًا وشهامة، وبدون مناسبات تزور الرموز الوطنية، بما فيهم المفكرون والأدباء والصحفيون والفنانون ممن جار عليهم الزمن أو أصيبوا بالأمراض والشيخوخة، وتقدم لهم المساعدات الإنسانية دون أن يعلم أحد بدورها ووفائها وأصالتها، في زمن الجحود الذي اندثرت فيه هذه القيم، حتى في اهتمام المسؤولين وأصحاب القرار والمال.
مساء أمس، وفي مجلس عزاء الرئيس المشير عبدربه منصور هادي، سألني الزميل الصديق الكاتب السياسي عبدالله ناجي علي: “هل تحتفظ بصورة من زيارتنا الأولى للمرحوم أنيس حسن يحيى؟” فقد كان الأخ العزيز عبدالله حاضرًا، وبتنسيق من العزيزة نجلا شمسان، لزيارة أنيس.
وماذا بعد؟ يوم أمس طوى الرجل الوطني العصامي الشريف أنيس حسن يحيى رحلة حياة حافلة بالعطاء والنضال والحضور الوطني القوي في مسيرة الثورة وبناء الدولة وقيادتها. فهو مناضل من الرعيل الأول، وسياسي محنك، أسس حزب الطليعة الشعبية قبل أن يتوحد مع الحزب الاشتراكي اليمني مع رفاقه في التيارات الأخرى، كباذيب وآخرين.
وقرأت قبل كتابة هذه السطور منشورًا للوزير السابق واعد باذيب عن الراحل أنيس، لكن يُحسب على واعد أنه لم يكن قريبًا من السياسيين العدنيين، ولا عزّاهم في مفاقيدهم وهم في آخر العمر، مع أنهم رفاق والده المفكر عبدالله باذيب وأعمامه علي وأبوبكر. كان الرجل على رأس وزارات، فضاعت منه فرص كان يمكن أن يتحفنا فيها بحضوره الاجتماعي والإنساني داخل النسيج الاجتماعي العدني الجميل، ولا ينفع الحسوك أسفل العقبة يا واعد.
عمومًا، عاش فقيدنا الغالي أنيس حسن يحيى سنوات عمره الأخيرة في مصر بعيدًا عن عدن، ومات ودُفن هناك. وقرأت سيلًا من تعازي الرثاء، ولكن بعد الرحيل. مات ولم يخلف مالًا ولا عقارات، وزاد أنني علمت بإقامة مجلس عزاء عصر اليوم في أصغر قاعة في مدينة عدن بالقرب من منزله في المنصورة، وليوم واحد فقط.
وهكذا العظماء يموتون بهدوء، لكنهم يتركون إرثًا وطنيًا خالدًا.
تعازينا الحارة لولده الوحيد باسل، وبناته، ورفيقة دربه المناضلة الجسورة أم الخير، ولكل أسرته الكريمة، وكل أبناء عدن واليمن.
رحم الله الأخ الكبير العزيز أنيس حسن يحيى، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم الجميع الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
نبض ابين