الأربعاء , يونيو 3 2026

الكتلة الديمقراطية.. شريك في صناعة الأزمة وعنوان دائم للانقسام

بقلم الأستاذ : أحمد العبيد

لم يكن الخلاف الذي تفجر داخل الكتلة الديمقراطية بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانقسامات والتباينات التي ظلت تلازم هذا التحالف منذ تأسيسه. فالكتلة التي قدمت نفسها في أوقات مختلفة باعتبارها حاضنة سياسية بديلة، لم تستطع طوال سنوات نشاطها أن تؤسس لمشروع وطني متماسك أو رؤية سياسية موحدة، بل ظلت رهينة للتناقضات الداخلية والتحالفات المؤقتة التي تتغير بتغير المصالح والظروف. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنقسم مجدداً بين فريق يقاطع الاجتماعات وفريق يتمسك بالمشاركة، في مشهد يعكس أزمة بنيوية عميقة داخل هذا الجسم السياسي.

ومن وجهة نظري، فإن مسؤولية الكتلة الديمقراطية لا تتوقف عند حدود الانقسامات التنظيمية أو الارتباك السياسي، بل تمتد إلى دورها في إنتاج البيئة السياسية التي قادت البلاد إلى حالة الاستقطاب الحاد والانهيار الذي سبق اندلاع الحرب. فقد اختارت مكونات نافذة داخل الكتلة الاصطفاف إلى جانب جيش الإخوان والمليشيات المتحالفة معها، وساهمت في إضفاء غطاء سياسي على مشاريع سلطوية عطلت مسار الانتقال المدني الديمقراطي وأضعفت فرص الوصول إلى تسوية وطنية شاملة. كما أن خطابها السياسي ظل في كثير من الأحيان أقرب إلى الدفاع عن مراكز النفوذ التقليدية منه إلى تبني مشروع ديمقراطي حقيقي قائم على المواطنة والعدالة وسيادة حكم القانون.

لقد كشفت الحرب الدائرة في السودان حجم الفشل الذي لازم النخب السياسية التي فضلت التحالف مع القوة المسلحة على حساب الإرادة الشعبية. وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن الكتلة الديمقراطية كانت جزءاً من معادلة الأزمة وليست جزءاً من الحل، وذلك بحكم تحالفاتها ومواقفها التي أسهمت في تعقيد المشهد السياسي وإطالة أمد الانقسام الوطني. فبدلاً من العمل على بناء جبهة مدنية واسعة تقود عملية التحول الديمقراطي، انخرطت مكونات داخل الكتلة في صراعات المحاور والتوازنات العسكرية، الأمر الذي أفقدها القدرة على تقديم نفسها كقوة سياسية مستقلة تمثل تطلعات الجماهير السودانية.

وإذا كانت التطورات الأخيرة في أديس أبابا قد أظهرت حجم التصدعات داخل الكتلة الديمقراطية، فإنها في الوقت نفسه أعادت طرح سؤال جوهري حول مستقبل هذا التحالف وجدوى بقائه بصورته الحالية. فالكيانات السياسية التي تعجز عن إدارة خلافاتها الداخلية وعن إنتاج مشروع وطني جامع لا يمكن أن تقود عملية انتقال ديمقراطي معقدة بحجم التحديات التي تواجه السودان اليوم. ولذلك فإن الأزمة الراهنة ليست مجرد خلاف حول المشاركة في اجتماع سياسي، وإنما تعبير واضح عن أزمة رؤية ومشروع وهوية سياسية ظلت تلاحق الكتلة الديمقراطية منذ نشأتها.

إن السودان بحاجة إلى قوى مدنية جديدة تؤمن بالديمقراطية باعتبارها ممارسة ومؤسسات وقيم، لا مجرد شعارات ترفع عند الحاجة. كما يحتاج إلى مشروع وطني يقطع مع سياسات الاستقطاب والتحالفات العسكرية التي قادت البلاد إلى الحرب والدمار. وفي هذا الإطار، فإن مراجعة تجربة الكتلة الديمقراطية تصبح ضرورة سياسية وأخلاقية، ليس فقط لفهم أسباب إخفاقها، بل أيضاً لاستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد في بناء مستقبل سياسي أكثر استقراراً وعدالةً وانسجاماً مع تطلعات الشعب السوداني.

عن ahmed

شاهد أيضاً

حجاج بلادنا يستقرون في منى بسلام.. ويوم التروية يجسد معاني الطاعة والوحدة والإيمان

متابعات/نور علي صمد اعلن وزير الأوقاف والإرشاد تركي الوادعي اليوم الاثنين نجاح عملية تصعيد حجاج …

بسم الله الرحمن الرحيم

الجبهة الثالثة تمازجالمكتب التنفيذي بيان نعي أليم قال الله تعالى:“يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى …

ابوظبي للاستثمارات السياحية : ارتفاع نسبة الاشغالات في فندقي شرم الشيخ والغردقة الي ٩٥ % مع إجازة عيد الأضحى المباركماهر بدر

تواصل شركة أبوظبي للاستثمارات السياحية المملوكة لصندوق أبوظبي للتنمية تعزيز حضورها في قطاع الضيافة بمقاصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *