الثلاثاء , سبتمبر 29 2026

هل يُكتب الفصل الأخير للجنوب خلف الأبواب المغلقة؟

بقلم: دبلوماسي جنوبي — م. ع. ن

هناك أوقات لا يكون أخطر ما في السياسة هو ما يُقال أمام الناس، بل ما لا يُقال لهم.

وما يحدث حول الجنوب اليوم لا يمكن فهمه فقط من البيانات الرسمية، ولا من الشعارات، ولا من التصريحات التي تتغير بتغير الساعة. لفهم الصورة علينا أن ننظر إلى حركة القوة نفسها: من يُضعف؟ من يُنقل؟ من يُستبعد؟ من تُفتح ضده جبهة سياسية أو إعلامية؟ ومن يُستدعى عند الحاجة ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يتراجع إلى الخلف؟

عندما تتكرر النتيجة نفسها مرات كثيرة، يصبح من حقنا أن نسأل إن كنا أمام أخطاء منفصلة، أم أمام طريقة كاملة في إدارة الجنوب.

منذ سنوات والجنوب يدفع الثمن مرتين.

مرة عندما تشتعل الحرب.

ومرة عندما تبدأ السياسة.

حين دخل الحوثيون الجنوب لم ينتظر الجنوبيون أحدًا كي يدافع عن مدنهم. قاتلوا على أرضهم، واستعادوا مناطقهم، وأعادوا بناء تشكيلاتهم العسكرية والأمنية في ظروف كانت الدولة نفسها فيها شبه منهارة.

ثم لم يتوقف دورهم عند الجنوب.

ذهب مقاتلون جنوبيون إلى جبهات خارج مناطقهم، وكانت تشكيلات جنوبية في قلب المعارك على الساحل الغربي وغيرها من الجبهات. هناك رجال ماتوا، وقيادات سقطت، وعائلات دفعت أثمانًا لا يمكن أن تعوضها البيانات السياسية.

لكن في كل مرة يصل المقاتل إلى نقطة متقدمة، يظهر العامل السياسي.

الحرب التي تحتاج شهورًا وسنوات من الدم يمكن أن تتغير خريطتها بقرار واحد.

وهنا تبدأ الأسئلة التي لا أرى سببًا للخوف منها.

إذا كان الجنوبي قد دفع الدم للوصول إلى أرض، فمن يملك حق اتخاذ القرار الذي يغير مصير تلك الأرض؟

إذا كان الجندي يُطلب منه أن يقاتل، فلماذا لا يكون المجتمع الذي أرسله شريكًا في القرار السياسي الذي يوقفه أو ينقله أو يعيد تشكيل قواته؟

هذه ليست مسألة عسكرية فقط.

هذه مسألة سيادة قرار.

وهي تحديدًا ما يخشاه الجنوب اليوم.

فالخطر لا يكمن في أن تأتي قوة عسكرية وتعلن أنها تريد احتلال الجنوب. هذا النوع من الأخطار واضح، والجنوبي يعرف كيف يتعامل معه.

الخطر الأكثر تعقيدًا هو أن يجري تفكيك القوة الجنوبية قطعة قطعة تحت عناوين تبدو في ظاهرها إدارية ومؤسسية.

مرة تحت اسم دمج القوات.

مرة إعادة الهيكلة.

مرة توحيد الأجهزة.

مرة تغيير القيادات.

مرة معالجة الاختلالات.

مرة إعادة توزيع النفوذ.

كل عنوان منفرد قد يكون منطقيًا.

لكن السياسة لا تقرأ كل قرار منفردًا.

السياسة تقرأ الاتجاه النهائي لمجموع القرارات.

فإذا كانت النتيجة في النهاية أن القرار العسكري الجنوبي أضعف، والقرار السياسي الجنوبي أضعف، والاستقلال الاقتصادي أضعف، والمؤسسات المحلية أكثر هشاشة، فعندها لا يعود مهمًا كثيرًا ماذا كان اسم كل خطوة.

المهم: إلى أين تأخذنا الخطوات كلها؟

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية:

هل المطلوب جنوب يستطيع أن يقاتل، ولكن لا يستطيع أن يقرر؟

جنوب لديه جنود ولكن ليست لديه إرادة سياسية مستقلة؟

جنوب يملك موانئ وموارد وموقعًا استراتيجيًا، لكن تبقى قدرته على إدارة موارده محدودة؟

جنوب يُستدعى عندما تحتاج الجبهات إلى قوة، ثم تصبح قوته نفسها موضع قلق عندما تتحول إلى وزن سياسي؟

هذه هي المعادلة التي يجب أن ننظر إليها بجدية.

لا أريد أن أدافع عن المجلس الانتقالي باعتباره معصومًا.

ليس كذلك.

فيه أخطاء، وفيه فساد، وفيه سوء إدارة، وفي داخله من ينبغي أن يُحاسب مثل أي مسؤول آخر.

لكن هذا لا يجيب عن السؤال الأساسي:

ما الجريمة السياسية التي ارتكبها عندما جعل من استعادة دولة الجنوب مشروعه المعلن؟

يمكن رفض مشروعه.

يمكن مناقشته.

يمكن مساءلته عن أدائه.

لكن لماذا يصبح مجرد وجود مركز سياسي جنوبي قوي خطرًا ينبغي إضعافه؟

المشكلة ليست في اسم المجلس.

لو انتهى الانتقالي غدًا ولم تحل القضية الجنوبية، فسيظهر كيان آخر يحمل الفكرة نفسها.

لأن المجلس لم يصنع القضية.

القضية هي التي صنعت المجلس.

ولهذا فإن من يظن أنه يستطيع إنهاء الجنوب سياسيًا بإضعاف تنظيم، أو تغيير قيادة، أو ضرب صورة مجموعة من الأشخاص، لم يفهم أصل المشكلة.

القضايا التاريخية لا تموت عندما تتغير الأسماء.

بل تعود في صورة أخرى، وأحيانًا بصورة أكثر قسوة.

ما أراه أخطر اليوم هو محاولة تحويل الجنوب من كتلة سياسية قادرة على التفاوض إلى مجموعة مراكز متنافسة لا يثق أحدها بالآخر.

وهذه طريقة قديمة جدًا في إدارة النفوذ.

لا تحتاج أن تهزم خصمك عسكريًا إذا استطعت أن تجعله ينقسم على نفسه.

لا تحتاج أن تحطم جيشه إذا جعلت قياداته تتصارع.

لا تحتاج أن تسقط مشروعه السياسي إذا جعلت الناس تفقد الثقة في كل من يمثله.

ولا تحتاج أن تسلبه أرضه إذا جعلته عاجزًا عن إدارة مؤسساته واقتصاده.

وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من السياسة.

الجنوبي الذي يقضي يومه يبحث عن راتب أو كهرباء أو وقود أو قدرة شرائية لن يستطيع أن يظل منشغلًا كل يوم بالمشروع السياسي الكبير.

والقوة العسكرية التي لا تحصل على موارد مستقرة يمكن الضغط عليها.

والمؤسسة السياسية التي يصبح بقاؤها مرتبطًا بمصادر تمويل خارج قرارها تصبح قدرتها على قول «لا» أضعف.

هذه ليست نظرية غامضة.

هذه أبجديات النفوذ السياسي.

وبالنسبة للجنوبي، السؤال يتجاوز تفسير الأزمة.

هو ينظر إلى أرض تحتوي على موارد وموانئ ومنافذ وموقع بحري بالغ الأهمية، ثم ينظر إلى مستوى الخدمات وحالة الموظف والعسكري، فيسأل: أين تنعكس هذه الجغرافيا وهذه الموارد في حياتنا؟

ولأن الإجابة غير مقنعة، تبدأ الشكوك.

هل نحن أمام فشل فقط؟

أم أن إبقاء الجنوب ضعيفًا اقتصاديًا يخدم أيضًا إبقاءه ضعيفًا سياسيًا؟

لا أملك وثيقة تقول ذلك.

ولا أحتاج إلى اختراع واحدة.

أنا أطرح السؤال لأن السياسة تُقرأ من النتائج.

وإذا كان الجنوب يخرج من كل مرحلة أكثر إنهاكًا، وكل مركز قوة مستقل فيه يصبح موضوع صراع، وكل محاولة لبناء قرار سياسي موحد تدخل في مواجهة جديدة، فمن الطبيعي أن يتساءل الناس عمّا إذا كان الضعف مجرد نتيجة عارضة، أم أصبح جزءًا من طريقة إدارة المشهد.

وحين تتحرك القوات، وحين يعاد توزيع الألوية، وحين تتغير القيادات، لا ينبغي أن ننظر إلى ذلك كمسألة عسكرية مجردة.

القوة العسكرية هي سياسة بالسلاح.

نقل لواء يعني تغيير ميزان.

إعادة قائد تعني فتح مساحة.

دمج تشكيل يعني تغيير الولاء ومركز القرار.

إعادة القوات الجنوبية من جبهات بعيدة إلى مناطق الجنوب، أو إعادة توزيعها داخله، ليست مسألة ينبغي أن تمر كخبر عابر؛ لأن السؤال الحقيقي ليس فقط أين سيقف الجنود غدًا، بل من سيملكهم سياسيًا بعد غد؟

وهذا ما يجب على الجنوب أن ينتبه إليه.

هناك فرق بين أن تعيد قواتك إلى أرضك لحمايتها، وبين أن تُعاد إلى الداخل ضمن عملية هدفها تجريدها تدريجيًا من قيادتها المستقلة أو استخدامها في صراع جنوبي–جنوبي.

وهنا لا بد أن يكون الوعي أعلى من الحماس.

أخطر شيء يمكن أن يحدث للجنوب الآن هو أن يُدفع أبناؤه إلى قتال بعضهم بعضًا بينما يجلس الآخرون ينتظرون النتيجة.

إذا تحولت القوات الجنوبية إلى معسكرات متصارعة، فمن الذي سيربح؟

ليس الجنوب.

وإذا تحول الخلاف على شكل الدولة إلى حرب بين حضرموت وعدن أو شبوة وأبين أو بين تشكيل جنوبي وآخر، فمن الذي يكون قد خسر أوراقه قبل أن تبدأ أي مفاوضات مستقبلية؟

الجنوب نفسه.

وهنا قد تكون تلك هي «الحلقة الأخيرة» التي ينبغي أن نخشى منها حقًا.

ليست قرارًا معلنًا بإلغاء الجنوب.

بل الوصول إلى جنوب منهك إلى درجة أنه لا يستطيع فرض شيء.

قياداته منقسمة.

قواته موزعة.

مؤسساته ضعيفة.

اقتصاده مرهق.

مجتمعه فقد ثقته بالسياسة.

وكل محافظة تفاوض وحدها.

حين تصل إلى هذه النقطة، لا تحتاج إلى احتلال الجنوب.

يكفي أن تديره.

وهذه هي المسألة التي ينبغي أن يفهمها كل جنوبي اليوم.

الصراع الحقيقي ليس فقط على الأرض.

إنه على القدرة على اتخاذ القرار.

ولهذا لا أريد أن أرى الجنوبي مرة أخرى يُزج به في جبهة بعيدة بلا عقد سياسي واضح.

لا أريد أن أسمع: قاتلوا الآن، وبعد النصر نتحدث.

هذه الجملة أصبحت أغلى جملة دفعنا ثمنها.

إذا كان هناك مشروع حرب، فمن حق الجنوب أن يعرف نهايته قبل بدايتها.

إذا كان هناك سلام أو تسوية مع الحوثيين، فمن حق الجنوب أن يعرف موقعه فيها.

إذا كانت هناك إعادة بناء للدولة، فمن حق الجنوب أن يعرف بأي صيغة.

وإذا كانت هناك نية لإعادة هيكلة القوات، فمن حق الناس أن يعرفوا هل الغرض بناء مؤسسة أقوى، أم تجريد الجنوب من أهم ورقة تفاوض يملكها.

ولا يكفي أن يقال لنا: ثقوا بنا.

السياسة لا تُبنى بالثقة الشخصية.

تبنى بالضمانات.

والجنوب تعلم بالطريقة الصعبة أن الضمان الذي لا يكون مكتوبًا في ميزان القوة يمكن أن يختفي عندما تتغير المصلحة.

وهذا هو سبب تمسكي بأن القضية ليست قضية الانتقالي.

قد يسقط المجلس الانتقالي.

قد تتغير قيادته.

قد يأتي مجلس آخر.

لا يهم.

ما يهم ألا تُسحب من الجنوب أوراقه كلها ثم يقال له: تعال الآن لنتفاوض.

أي تفاوض سيكون ذلك؟

التفاوض بين قوي وضعيف ليس شراكة.

إنه إملاء.

ولهذا فإن حماية الجنوب لا تعني حماية أي شخص من النقد.

بل العكس.

ينبغي إصلاح الفساد داخل القوى الجنوبية.

ينبغي محاسبة من فشل.

ينبغي بناء مؤسسات أفضل.

لكن الإصلاح شيء، والتفكيك شيء آخر.

إصلاح القوة الجنوبية يعني جعلها أكثر مهنية ومساءلة ووحدة.

أما تفكيكها فيعني أن يصبح الجنوب بلا وزن.

والفارق بين الاثنين يجب ألا يضيع وسط الشعارات.

لقد دخلنا زمنًا جديدًا.

لا يمكن إدارة الجنوب بمنطق الماضي.

الواقع تغير.

هناك مجتمع أعاد بناء وعيه السياسي.

هناك قوة عسكرية وأمنية نشأت من الحرب.

هناك جيل يرى دولة الجنوب السابقة جزءًا من ذاكرته السياسية ولا يعتبر حقه في مناقشة استعادتها جريمة.

وهناك حقيقة يجب على كل من يتعامل مع الجنوب أن يفهمها:

يمكنك الضغط على القيادة.

يمكنك تغيير ميزان عسكري.

يمكنك كسب جولة.

لكن لا يمكنك إلغاء فكرة من داخل مجتمع كامل بمجرد قرار سياسي.

ولهذا فإن الحكمة ليست في محاولة كتابة «نهاية الجنوب».

الحكمة في الاعتراف بأن الجنوب أصبح حقيقة سياسية يجب التفاوض معها، لا مادةً ينبغي إعادة تشكيلها من الخارج.

ولا أقول إنني أعرف ماذا يُنسج في كل غرفة.

لكنني أعرف ماذا يجب ألا يسمح الجنوبي بأن يُنسج باسمه من دون حضوره.

لا تسوية تحدد مستقبله وهو خارجها.

لا إعادة تشكيل لقوته قبل تحديد شكل الدولة.

لا دفع بقواته إلى حروب جديدة ثم ترك قضيته إلى أجل غير مسمى.

لا استخدام لأزمته الاقتصادية كوسيلة لإضعاف إرادته.

ولا صناعة صراع داخلي يستهلك رجال الجنوب بأيدي رجال الجنوب.

إذا كان ثمة فصل أخير يُكتب، فلن يكون الفصل الذي يقرر الآخرون فيه نهاية الجنوب.

سيكون الفصل الذي يفهم فيه الجنوبي أخيرًا أن حماية أرضه لا تبدأ من البندقية وحدها.

تبدأ من وحدة قراره.

ومن بناء اقتصاد يستطيع الصمود.

ومن مؤسسة عسكرية لا تتحول إلى ملكية أشخاص.

ومن قيادة سياسية تعرف أن اختلاف الجنوبيين لا ينبغي أن يتحول إلى سكين في جسد قضيتهم.

ومن وعي بأن أخطر المعارك ليست دائمًا تلك التي تسمع فيها صوت المدافع.

بعض المعارك تبدأ بصمت.

بقرار تعيين.

بنقل لواء.

بإيقاف مورد.

بإشعال خلاف.

بتحطيم سمعة قيادة.

بخلق خصومة بين محافظتين.

ثم بعد سنوات ينظر الناس حولهم ولا يعرفون متى فقدوا القدرة على القرار.

ولهذا يجب أن نسأل الآن، قبل أن يصبح السؤال متأخرًا:

هل ما يجري هو إعادة بناء للجنوب، أم إعادة ترتيب له حتى لا يصبح يومًا قويًا بما يكفي ليقرر مصيره بنفسه؟

أنا لا أملك الإجابة السرية التي قد تكون داخل الغرف.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أي صيغة مستقبلية لا يكون الجنوب طرفًا أصيلًا في كتابتها لن تكون نهاية القضية الجنوبية، بل بداية جولة جديدة منها

عن ahmed

شاهد أيضاً

عاجل.. حصيلة أولية: 53 قتيلًا حوثيا و89 مصابا في جبهة الأغبرة

أفادت مصادر ميدانية لموقع منبر الأخبار بأن الحصيلة الأولية لقتلى مليشيا الحوثي الذين جرى إيصالهم …

مسلحون مجهولون يهاجمون حافلتين على طريق العبر وسقوط قتلى وجرحى بينهم نساء

قُتل وأصيب أكثر من 12 مسافرًا، بينهم نساء وأكاديميون، إثر تعرض حافلتين مدنيتين لإطلاق نار …

قيادة انتقالي  العاصمة  عدن تُدين اعتقال رئيس انتقالي التواهي “أحمد عبدي”وتطالب بوضع حدٍ لتعسفات سلطات الوصاية في الجنوب 

أبين ميديا/ العاصمة عدن تتابع الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بالعاصمة عدن، باهتمام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *