كتب الدبلوماسي الجنوبي مثنى عبدالله ناصر مقال قائلا:
وأنا أتابع تقدم القوات الجنوبية في الجبهات، لا أستطيع أن أفرح بالانتصارات من دون أن أنظر إلى ما وراءها.
نعم، المقاتل الجنوبي أثبت شجاعته وعقيدته وقدرته على الحسم، لكن السياسة لا تُقرأ فقط من مقدمة الجبهة، بل من الخلف أيضًا.
دخل الجنوب الوحدة عام 1990 وهو يمتلك دولة وجيشًا ومؤسسات، ثم جرى توزيع وحدات من جيشه بعيدًا عن أرضه، وتمركزت قوات أخرى داخل الجنوب، ومع الوقت تفتت مركز القوة العسكرية الجنوبية. وعندما جاءت حرب 1994، وجد الجنوب نفسه أمام ميزان قوة مختلف، وانتهى الأمر بهزيمته وإضعاف جيشه.
وهذا هو الدرس الذي يجب ألا ننساه اليوم.
أخشى أن تدور الدائرة من جديد، ولكن بصورة مختلفة.
اليوم القوات الجنوبية في المقدمة، تقاتل وتتقدم وتدفع من رجالها وقياداتها ومعداتها، بينما تبقى قوى أخرى في الخلف تحافظ على وجودها وقوتها.
فماذا لو استمر الدفع بالجنوبيين إلى العمق الشمالي حتى تُستنزف قوتهم هناك؟
وماذا لو انتهت معركة الحوثي أو دخلت في تسوية، ثم بدأ في الخلف ترتيب جديد للجنوب وقواته ومؤسساته؟
هنا يكون الخطر الحقيقي.
الخطر ليس أن يُهزم الجنوبي أمام الحوثي، بل أن ينتصر عليه، ثم يعود منهكًا ليجد أن أوراق الجنوب قد أُعيد ترتيبها في غيابه.
وقد رأينا من قبل كيف وصل الجنوبيون إلى جبهات بعيدة، ومنها الحديدة، وقدموا الدم والتضحيات، ثم جاءت السياسة وغيّرت مسار الميدان.
ولهذا يجب أن نفهم أن ما تكسبه بالبندقية قد تخسره بقرار سياسي إذا لم تكن تملك القوة التي تحمي مكاسبك.
ولا يكفي أن نقول إن الجنوبي سيدافع عن أرضه عندما يأتي الخطر.
القضية ليست في شجاعته.
القضية ألا نسمح أصلًا باستنزاف قوته، وتوزيعها بعيدًا عن أرضها، ثم يأتي بعد ذلك حديث الدمج وإعادة الهيكلة وإعادة الانتشار، فنكتشف أننا أمام تفكيك جديد للقوة الجنوبية ولكن بمسميات جديدة.
لقد وقف الجنوب مع الشمال أكثر من مرة، ودخل الوحدة بإرادة سياسية، وساند في أكثر من مرحلة، لكن التاريخ علمنا أن التحالف في الحرب لا يعني بالضرورة الشراكة بعد الحرب.
ولهذا أقولها بوضوح:
الحذر ثم الحذر ثم الحذر.
لا تنظروا فقط إلى أين تتقدم القوات الجنوبية.
انظروا إلى من يبقى خلفها.
من يحتفظ بقوته؟
من يملأ الفراغ؟
ومن سيملك الأرض والقرار عندما تنتهي الحرب؟
القوات الجنوبية ليست مجرد قوة تُستخدم في الحرب على الحوثي.
هي واحدة من أهم أوراق الجنوب في أي حل سياسي قادم.
وإذا استُنزفت هذه القوة أو فُككت أو أُبعدت عن أرضها، فقد نكتشف بعد فوات الأوان أن بعض الانتصارات التي احتفلنا بها كانت مقدمة لخسارة أكبر.
لا تسمحوا بأن ننتصر في الأمام، ثم نخسر الجنوب من الخلف.
نبض ابين