بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي
هناك أيام تصنع ملكا وهناك يوم واحد صنع أمتين يوم الرابع عشر من أكتوبر هو اليوم الذي انتهت فيه إنجلترا القديمة إنجلترا الأنجلوساكسون وولدت إنجلترا الجديدة إنجلترا النورمانية وهو نفس اليوم الذي بعد ثلاثمائة وستة وخمسين سنة ثبتت فيه اسكتلندا استقلالها إلى الأبد فمن يفهم هاتين المعركتين يفهم لماذا لا يزال الإنجليز حتى اليوم يقسمون تاريخهم إلى ما قبل هاستينغز وما بعدها.
جذور المعركة الأولى صراع على عرش بلا وريث
في الخامس من يناير عام 1066 مات الملك الإنجليزي إدوارد المعترف Edward the Confessor ملك إنجلترا الأنجلوساكسوني بلا ابن يرثه فانفتح باب جهنم على العرش كان هناك ثلاثة رجال يدعون أنهم الأحق.
الأول هارولد غودوينسون Harold Godwinson أقوى رجل في إنجلترا صهر الملك المتوفى وقائد جيش الجنوب وانتخبه مجلس الحكماء Witenagemot ملكا في اليوم التالي لوفاة إدوارد وتوج في دير وستمنستر Westminster Abbey في السادس من يناير.
الثاني ويليام دوق نورماندي William Duke of Normandy ابن عم إدوارد البعيد ويقول إن إدوارد وعده بالعرش عندما كان لاجئا في نورماندي وإن هارولد نفسه أقسم له على الإنجيل المقدس أنه سيساعده ليكون ملكا عندما كان أسيرا عنده في فرنسا عام 1064م.
الثالث هارالد هاردرادا Harald Hardrada ملك النرويج العملاق الذي طوله متران ويقول إن عرش إنجلترا حق له باتفاق قديم مع ملك الدنمارك.
فاستعد الثلاثة للحرب
في صيف 1066 جمع هارولد الإنجليزي جيشه على الساحل الجنوبي ينتظر غزو ويليام ولكن ويليام تأخر بسبب الرياح فأنهك جيش هارولد من الانتظار وفي نفس الوقت وصل خبر أن هارالد النرويجي نزل بجيش من 300 سفينة في شمال إنجلترا قرب يورك.
فترك هارولد الجنوب وجرى بجيشه مسرعا إلى الشمال قطع 300 كيلومتر في أربعة أيام فقط وهي مسيرة أسطورية في ذلك الزمن ووصل إلى يورك وفي الخامس والعشرين من سبتمبر وقعت معركة جسر ستامفورد Stamford Bridge فسحق هارولد جيش النرويج وقتل الملك هارالد هاردرادا بضربة سهم في حلقه وانتهى الغزو النرويجي في يوم واحد.
ولكن بينما كان جنود هارولد يحتفلون بالنصر في يورك جاء فارس يصرخ إن ويليام نزل في الجنوب.
صباح الرابع عشر من أكتوبر على تل سينلاك
كان ويليام قد انتهز فرصة خلو الجنوب فعبر القنال الإنجليزي في 28 سبتمبر ونزل في بلدة بيفنسي Pevensey ثم تقدم إلى هاستينغز Hastings وبنى قلعة خشبية بسرعة.
وعندما سمع هارولد الخبر جمع ما بقي من جيشه المنهك من مسيرة الشمال ومعركة ستامفورد وجرى مرة أخرى جنوبا قطع 400 كيلومتر في أسبوع حتى وصل قرب هاستينغز في مساء 13 أكتوبر.
وفي صباح السبت الرابع عشر من أكتوبر 1066 في الساعة التاسعة صباحا وقف الجيشان وجها لوجه على تل سينلاك Senlac Hill الذي يسمى اليوم تل المعركة Battle Hill قرب بلدة هاستينغز في مقاطعة ساسكس Sussex.
وقف هارولد ومعه حوالي سبعة آلاف جندي إنجليزي معظمهم من الهوسكارل Housecarls وهم نخبة محاربين يحملون فؤوسا ضخمة طولها متر ونصف يقطع بها الفارس وحصانه ومعهم الفايرد Fyrd وهم فلاحون مسلحون برماح قصيرة ووقفوا في صف متراص فوق التل مشكلين جدار دروع Shield Wall وهو جدار من الخشب والحديد لا يمكن اختراقه إذا بقي متماسك.
وفي الأسفل وقف ويليام ومعه حوالي عشرة آلاف جندي ثلثهم فرسان نورمان مدججون بالدروع وثلثهم رماة سهام وثلثهم مشاة من فرنسا وفلاندر وبريتاني وكان معه البابا في روما قد بارك غزوه وأرسل له راية مقدسة Papal Banner.
بدأت المعركة بهجوم الرماة النورمان بسهامهم فلم تؤثر في جدار الدروع الإنجليزي لأنه فوق التل ثم هجمت المشاة فقتلوا جميعا ثم هجمت الفرسان فصدهم الإنجليز بفؤوسهم وقتلوا كثيرا من الخيول.
واستمرت المعركة أربع ساعات دون تقدم وكاد ويليام يقتل فقد أشيع أنه سقط فرفع خوذته ليظهر وجهه ويقول أنا حي.
ثم لجأ ويليام إلى حيلة ذكية أمر فرسانه أن يتظاهروا بالهرب Feigned Retreat فظن بعض الفلاحين الإنجليز أن النورمان هربوا فكسر بعضهم جدار الدروع ونزلوا يطاردونهم فاستدار الفرسان وقتلوهم في السهل.
ثم أمر ويليام رماته أن يرموا السهام عاليا في السماء لتسقط من فوق على وجوه الإنجليز لا على دروعهم.
وفي الساعة الخامسة مساء بعد تسع ساعات قتال أصيب الملك هارولد بسهم في عينه اليمنى كما يصور نسيج بايو الشهير Bayeux Tapestry الذي طوله 70 مترا وصنع بعد المعركة بعشر سنوات ويظهر الملك هارولد وهو ينزع السهم من عينه ثم ضربه فارس نورماني بسيف فسقط ميتا.
وعندما رأى الإنجليز ملكهم سقط انهار جدار الدروع وهرب من بقي وقتل منهم حوالي أربعة آلاف جندي وقتل من النورمان حوالي ألفين.
وفي صباح اليوم التالي مر ويليام بين الجثث ولم يجد جثة هارولد إلا بصعوبة فدفنوه تحت كومة حجارة.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت إنجلترا إلى الأبد.
ماذا غيرت هاستينغز
أولا اللغة فقبل هاستينغز كان الإنجليز يتكلمون الإنجليزية القديمة Old English التي تشبه الألمانية أما بعدها فدخلت الفرنسية النورمانية فأصبحت الإنجليزية خليطا من جرماني ولاتيني وهي الإنجليزية التي نتكلمها اليوم فكلمة beef و pork و royal كلها فرنسية دخلت بعد 1066م.
ثانيا القانون فألغى ويليام القانون الأنجلوساكسوني وأدخل القانون الإقطاعي Feudal System وجعل كل أرض إنجلترا ملكا للملك يوزعها على باروناته مقابل جند يحمونها.
ثالثا البناء فبنى ويليام برج لندن Tower of London عام 1078 ليخيف الإنجليز وقلعة وندسور Windsor Castle ولا يزالان قائمين حتى اليوم وبنى 86 قلعة حجرية في 20 سنة.
ورابعا أصبح ويليام أول ملك نورماني لإنجلترا وسمي ويليام الفاتح William the Conqueror وتوج ملكا في وستمنستر في 25 ديسمبر 1066م.
ولذلك يقول المؤرخون الإنجليز إن تاريخ إنجلترا كله ينقسم إلى قبل 14 أكتوبر 1066 وبعده.
المعركة الثانية أولد بايلاند 14 أكتوبر 1322
بعد هاستينغز بثلاثمائة وستة وخمسين سنة في نفس اليوم تماما في الرابع عشر من أكتوبر عام 1322 وقعت معركة أخرى في نفس الجزيرة ولكن هذه المرة كانت انتقاما اسكتلنديا.
كان ملك إنجلترا آنذاك إدوارد الثاني Edward II ابن إدوارد الأول المطرقة Hammer of the Scots ملك ضعيف مهزوم وكان قد هزم هزيمة ساحقة أمام الاسكتلنديين في معركة بانوكبيرن Bannockburn عام 1314 أمام الملك الاسكتلندي روبرت بروس Robert the Bruce الذي أصبح بطلا قوميا لاسكتلندا.
وبعد بانوكبيرن حاول إدوارد الثاني الانتقام فجمع جيشا ضخما وزحف إلى اسكتلندا عام 1322 ولكن روبرت بروس اتبع سياسة الأرض المحروقة فأحرق المحاصيل وسمم الآبار فجاع الجيش الإنجليزي ومات كثير من جنوده فانسحب إدوارد مهزوما إلى يورك.
فتبعه روبرت بروس بجيش اسكتلندي صغير سريع الحركة عبر الحدود ودخل إنجلترا حتى وصل إلى تل أولد بايلاند Old Byland Hill قرب بلدة ريفيولكس Rievaulx في يوركشاير وكان إدوارد الثاني نفسه موجودا في دير قريب مع حاشيته.
وفي صباح الرابع عشر من أكتوبر 1322 هاجم روبرت بروس الجيش الإنجليزي الذي كان بقيادة إيرل ريتشموند Earl of Richmond جون بريتاني John of Brittany وكان الإنجليز يتمركزون فوق تل محصن بين الصخور.
فأرسل روبرت بروس قائده الأشهر السير جيمس دوغلاس James Douglas الملقب بدوغلاس الأسود Black Douglas ومعه جنود الهايلاند Highlanders تسلقوا الصخور من الخلف وفاجأوا الإنجليز من فوق بينما هاجم روبرت من الأمام.
فانهار الجيش الإنجليزي وهرب إيرل ريتشموند وأسر وفر إدوارد الثاني نفسه هاربا على حصان من الدير تاركا وراءه خزائنه ووثائقه الملكية وحتى ختمه الملكي Privy Seal.
وكانت حصيلة المعركة أسر 200 فارس إنجليزي وقتل المئات وهروب ملك إنجلترا.
وكانت النتيجة أن إدوارد الثاني بعدها بستة أشهر وقع هدنة 13 سنة مع اسكتلندا اعترف فيها ضمنيا باستقلال اسكتلندا ثم بعد ذلك بعامين في 1328 وقع معاهدة إدنبرة نورثهامبتون Treaty of Edinburgh Northampton التي اعترفت رسميا بأن روبرت بروس ملك مستقل لاسكتلندا وأن اسكتلندا مملكة مستقلة تماما عن إنجلترا.
ولذلك يسمي المؤرخون الاسكتلنديون معركة أولد بايلاند معركة تثبيت الاستقلال لأنها هي التي حولت نصر بانوكبيرن العسكري إلى اعتراف سياسي.
يوم واحد وتاريخان
فإذا كان الرابع عشر من أكتوبر 1066 هو اليوم الذي فقدت فيه إنجلترا استقلالها الأنجلوساكسوني أمام غزو خارجي فإن الرابع عشر من أكتوبر 1322 هو اليوم الذي فقدت فيه إنجلترا قدرتها على إخضاع جارتها اسكتلندا.
وفي كلا اليومين كان التل هو الحكم تل سينلاك وتل أولد بايلاند وفي كليهما كان السهم والخديعة هما السلاح وفي كليهما تغيرت خريطة بريطانيا إلى الأبد.
ولهذا عندما نقول في عدن إن 14 أكتوبر هو يوم ردفان فنحن نضعه في سلسلة أيام عالمية يوم واحد ولكنه يحمل سقوط ممالك وولادة أمم ……
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
معركتا 14 أكتوبر .. يوم سقطت فيه إنجلترا مرتين، مرة في هاستينغز، ومرة في أولد بايلاند …
المصادر والمراجع :
المصادر والمراجع لمقال “معركتي الرابع عشر من أكتوبر هاستينغز وأولد بايلاند” :
أولا معركة هاستينغز Battle of Hastings 14 أكتوبر 1066م :
1- الجذور موت الملك إدوارد المعترف Edward the Confessor في 5 يناير 1066 بلا وريث وصراع ثلاثة مدعين هارولد غودوينسون Harold Godwinson انتخبه مجلس الحكماء Witenagemot وتوج في وستمنستر Westminster Abbey 6 يناير وويليام دوق نورماندي William Duke of Normandy ابن عم إدوارد وقسم هارولد على الإنجيل عام 1064 وهارالد هاردرادا Harald Hardrada ملك النرويج طوله متران .. مصدر Anglo Saxon Chronicle نسخة C و D وكتاب Vita Edwardi Regis
2- معركة جسر ستامفورد Stamford Bridge 25 سبتمبر 1066 هارولد قطع 300 كيلومتر في أربعة أيام من الجنوب إلى يورك وقتل هارالد هاردرادا بسهم في الحلق 300 سفينة نرويجية .. مصدر Heimskringla للكاتب Snorri Sturluson وكتاب Anglo Saxon Chronicle
3- نزول ويليام في بيفنسي Pevensey 28 سبتمبر 1066 وبناء قلعة خشبية في هاستينغز Hastings ومسيرة هارولد الثانية 400 كيلومتر في أسبوع من يورك إلى هاستينغز وصل مساء 13 أكتوبر .. مصدر William of Poitiers كتاب Gesta Guillelmi
4- صباح المعركة السبت 14 أكتوبر 1066 الساعة التاسعة صباحا تل سينلاك Senlac Hill ويسمى تل المعركة Battle Hill ساسكس Sussex هارولد 7000 جندي هوسكارل Housecarls فؤوس طول متر ونصف وفايرد Fyrd فلاحون برماح جدار دروع Shield Wall وويليام 10000 جندي ثلث فرسان وثلث رماة وثلث مشاة من فرنسا وفلاندر وبريتاني ومعه راية مقدسة من البابا Papal Banner من البابا ألكسندر الثاني .. مصدر نسيج بايو Bayeux Tapestry طوله 70 مترا صنع بعد 10 سنوات في معرض بايو في فرنسا وكتاب Carmen de Hastingae Proelio
5- سير المعركة هجوم الرماة ثم المشاة ثم الفرسان أربع ساعات دون تقدم إشاعة موت ويليام ورفع خوذته حيلة الهروب الكاذب Feigned Retreat وكسر جدار الدروع ثم رمي السهام عاليا في السماء في الساعة الخامسة مساء إصابة هارولد بسهم في العين اليمنى ثم ضربه فارس بسيف مقتل 4000 إنجليزي و2000 نورماني .. مصدر William of Jumièges و Orderic Vitalis و Bayeux Tapestry المشهد 57
6- ما غيرته هاستينغز اللغة دخول الفرنسية النورمانية كلمات beef pork royal justice و القانون النظام الإقطاعي Feudal System كل الأرض ملك الملك يوزعها على البارونات مقابل جند و البناء برج لندن Tower of London 1078 وقلعة وندسور Windsor Castle 86 قلعة حجرية في 20 سنة وتتويج ويليام الفاتح William the Conqueror ملكا 25 ديسمبر 1066 في وستمنستر .. مصدر Domesday Book 1086 وكتاب The Norman Conquest ل R Allen Brown
ثانيا معركة أولد بايلاند Battle of Old Byland 14 أكتوبر 1322م :
7- السياق هزيمة إدوارد الثاني Edward II ابن إدوارد الأول المطرقة Hammer of the Scots في بانوكبيرن Bannockburn 24 يونيو 1314 أمام روبرت بروس Robert the Bruce ملك اسكتلندا ثم زحف إدوارد الثاني 1322 إلى اسكتلندا وسياسة الأرض المحروقة لروبرت بروس إحراق المحاصيل وتسميم الآبار جوع الجيش الإنجليزي وانسحابه إلى يورك .. مصدر Vita Edwardi Secundi و Chronicle of Lanercost
8- المعركة صباح 14 أكتوبر 1322 تل أولد بايلاند Old Byland Hill قرب ريفيولكس Rievaulx يوركشاير Yorkshire إدوارد الثاني في دير قريب ومعه حاشيته الجيش الإنجليزي بقيادة إيرل ريتشموند Earl of Richmond جون بريتاني John of Brittany متمركز فوق تل محصن بين الصخور روبرت بروس أرسل السير جيمس دوغلاس James Douglas الملقب بدوغلاس الأسود Black Douglas مع جنود الهايلاند Highlanders تسلقوا الصخور من الخلف وفاجأوا الإنجليز هجوم أمامي من روبرت وخلفي من دوغلاس انهيار الجيش الإنجليزي أسر 200 فارس وهروب إدوارد الثاني على حصان تاركا خزائنه ووثائقه وختمه الملكي Privy Seal .. مصدر Chronicon de Lanercost و Barbour كتاب The Bruce و Scalacronica للسير توماس جراي
9- النتائج هدنة 13 سنة بعد ستة أشهر اعتراف ضمني باستقلال اسكتلندا ثم معاهدة إدنبرة نورثهامبتون Treaty of Edinburgh Northampton 1328 اعتراف رسمي بأن روبرت بروس ملك مستقل وأن اسكتلندا مملكة مستقلة تماما عن إنجلترا ولذلك تسمى معركة تثبيت الاستقلال .. مصدر نص المعاهدة في National Archives Kew ووثيقة Treaty of Edinburgh 1328
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
نبض ابين