بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي
هناك أيام لا يختارها التقويم بل تختارها الدماء فالثامن عشر من أكتوبر لم يكن من قبل يوما عربيا ولا كان له علاقة بفلسطين ولكنه أصبح هذا العام بقرار من الجامعة العربية في القاهرة يوما لفلسطين ويوما للعدالة ويوما ليتذكر العالم أن هناك شعبا تحت القصف وأن هناك أكثر من سبعمائة روح صعدت في يوم واحد وأن هناك مستشفى قصف وهو يضم جرحى وأطفالا ونساء وأن التاريخ لا ينسى حتى لو نسي العالم.
القصة تبدأ في السابع عشر من أكتوبر عام 2023 ذلك اليوم الذي لم يكن عاديا في غزة فمنذ السابع من أكتوبر كانت الحرب مشتعلة وكانت الطائرات الصهيونيه لا تتوقف وكانت غزة كلها تحت القصف ولكن السابع عشر من أكتوبر كان يوما أسود بكل المقاييس ففي ساعات النهار استشهد أكثر من سبعمائة فلسطيني في قطاع غزة في يوم واحد فقط في قصف متزامن على البيوت والأسواق والمخيمات وكان أكثر ما هز العالم في ذلك اليوم هو ما حدث في المساء عند الساعة السابعة وثلاثين دقيقة مساء حين قصف المستشفى الأهلي العربي المعمداني Al Ahli Arab Hospital في مدينة غزة.
والمستشفى المعمداني ليس مستشفى عاديا بل هو أقدم مستشفى في غزة أسس عام 1882 على يد الكنيسة الإنجليزية في القدس وكان تابعا للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية وكان يعالج الفقراء مجانا وكان في ذلك اليوم يضم آلاف النازحين الذين هربوا من بيوتهم في الشمال وجاءوا يحتمون بساحة المستشفى ظنا منهم أن المستشفى محمي بالقانون الدولي وأن المستشفيات لا تقصف وأن الصليب الأحمر والهلال الأحمر يحميها وكان فيه أكثر من ألف شخص بين نازح ومريض وطبيب وممرض.
ثم جاءت الضربة فسقط صاروخ صهيوني أطلقه جيش الكيان الصهيوني المحتل في ساحة المستشفى فانفجر واشتعلت النار في السيارات والخيام واشتعلت النيران في الناس وهم نيام وتطايرت الأشلاء في كل مكان وقالت وزارة الصحة في غزة إن أكثر من 471 شهيدا سقطوا في تلك المجزرة وحدها في دقائق وقالت منظمات أخرى إن العدد تجاوز 500 وقالت إدارة المستشفى إن كثيرا من الجثث تفحمت ولم يعرف أصحابها.
وكانت تلك المجزرة هي الأكبر في يوم واحد منذ بداية الحرب على غزه وكانت سببا في إلغاء القمة الرباعية التي كانت ستعقد في عمان بين الرئيس الأمريكي جو بايدن Joe Biden والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس فاعتذر الأردن ومصر عن استقبال بايدن وقالوا لا يمكن أن نجتمع مع من يدعم القصف ونحن نرى دماء أطفالنا في المستشفيات.
واستمرت الحرب على غزه بعد ذلك أكثر من سنتين كاملتين حتى أكتوبر 2025 وخلالها استشهد أكثر من ستين ألف فلسطيني في غزة حسب وزارة الصحة وأكثر من مائة وخمسين ألف جريح ودمرت ثمانون في المائة من بيوت غزة وهجر مليونا إنسان من بيوتهم وقالت الأمم المتحدة وقالت محكمة العدل الدولية International Court of Justice في لاهاي The Hague إن هناك شبهة إبادة جماعية Genocide وأن على دولة الكيان الإسرائيليه الصهيونيه أن تتخذ إجراءات لمنع الإبادة وأن تقارير المقررين الأمميين تقول إن ما يجري في غزة قد يرقى إلى إبادة جماعية حسب اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948م.
ومن هنا جاء قرار الجامعة العربية في القاهرة ففي الثامن من أكتوبر عام 2026 أعلنت الأمانة العامة للجامعة العربية بالتنسيق مع المندوبية الدائمة لدولة فلسطين أنه تقرر إحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية الإسرائيلية الصهيونيه بحق الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة في الثامن عشر من أكتوبر من كل عام وأن الفعالية ستقام في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية في القاهرة بحضور الأمين العام أحمد أبو الغيط وسفراء الدول العربية والمندوب الفلسطيني وممثلي الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
ولماذا اختير الثامن عشر من أكتوبر بالذات فالجامعة قالت إن السابع عشر من أكتوبر 2023 كان يوم المجزرة الكبرى وأن الثامن عشر هو اليوم التالي الذي استيقظ فيه العالم على صور الأشلاء في ساحة المستشفى المعمداني وأننا نريد أن يكون اليوم التالي يوما للذاكرة وليس للنسيان ويوما للعدالة وليس للصمت ويوما ليقول العرب إننا لن ننسى شهداءنا وأننا سنذكر العالم كل سنة بأن هناك قضية اسمها فلسطين لم تمت وأن هناك شعبا لا يزال تحت الاحتلال وأن هناك قانونا دوليا يجب أن يطبق.
وقالت المندوبية الفلسطينية في بيانها إن هذه الذكرى ليست احتفالا بل هي وقفة وفاء للشهداء وصرخة عدالة للمحاكم الدولية وللمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court في لاهاي التي أصدرت مذكرات اعتقال بحق مسؤولين صهاينه إسرائيليين بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأننا نريد من هذا اليوم أن يكون يوما توثيقيا أكاديميا يجمع شهادات الناجين من مجزرة المعمداني ومن مجازر جباليا وخان يونس ورفح وبيت لاهيا وأن يكون أرشيفا يوثق كل اسم وكل شهيد وكل بيت هدم وكل طفل يتيم.
وهناك رمزية أخرى لهذا اليوم فالثامن عشر من أكتوبر هو نفسه اليوم الذي تحتفل فيه أوروبا بيوم مكافحة الاتجار بالبشر وبيوم مكافحة العبودية وهو اليوم الذي تحتفل فيه كندا بأن المرأة أصبحت شخصا في القانون فكأن الجامعة العربية تقول للعالم إن الإنسان هو الإنسان سواء كان أوروبيا أو عربيا وإن العبودية التي تحاربونها في لندن هي نفس العبودية التي يعيشها الفلسطيني تحت الاحتلال وإن الاتجار بالبشر الذي تدينونه هو نفسه ما يجري عندما يحاصر مليونان في سجن مفتوح.
ولهذا فإن هذه الذكرى الجديدة ليست مجرد فعالية في قاعة بل هي تحول في الوعي العربي فالجامعة العربية التي تأسست عام 1945 في الإسكندرية وكانت كثيرا ما تتهم بأنها لا تفعل شيئا لفلسطين تحاول اليوم أن تخلق ذاكرة جماعية عربية لا تنسى وأن تجعل الثامن عشر من أكتوبر يوما يدرسه الطلاب في المدارس ويكتب عنه الصحفيون في الصحف ويخطب عنه الخطباء في المساجد ويذكر فيه اسم المستشفى المعمداني واسم كل مستشفى قصف وكل مدرسة قصفت وكل عائلة أبيدت عن بكرة أبيها.
وهناك من يقول إن يوما واحدا لا يكفي فالشهداء أكثر من أن يذكروا في يوم ولكن الحكمة تقول إن الذاكرة تبدأ بيوم ثم تصبح تاريخا فكما بدأت باتريشيا بايس هارووسكي Patricia Bays Haroski في شيكاغو عام 1958 بيوم للمدير فأصبح يوما عالميا وكما بدأت الجمعية الدولية لسن اليأس عام 1984 بيوم لسن اليأس فأصبح يوما عالميا فإن الثامن عشر من أكتوبر الذي بدأ بقرار من الجامعة العربية قد يصبح يوما عالميا لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية في كل مكان ليس في غزة وحدها بل في كل مكان يظلم فيه الإنسان.
ولهذا فإننا نقول إن الثامن عشر من أكتوبر 2026 سيكون أول مرة نحيي فيها هذه الذكرى ونحن نترحم على الشهداء ونقرأ الفاتحة على أرواحهم ونقول لأمهاتهم إن أولادكن لم يموتوا عبثا وأن دماءهم هي التي جعلت العالم يعترف أن هناك إبادة وأن هناك احتلالا وأن هناك شعبا يستحق الحياة والحرية وأننا كعرب اخترنا أن نتذكر في اليوم الذي يريد العالم أن ينسى …..
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
18 أكتوبر .. اليوم الذي اختارته الجامعة العربية ليتذكر العالم شهداء غزة …
نبض ابين