يا لفجيعة القلب من هؤلاء «القافزين» من السفينة عند أول هزة ريح وأول رشة ملح! ويا لخيبة الرجاء في أمانةٍ تحولت بقدرة قادر إلى «شيك» يُصرف بالعملة الصعبة ، أو «سفرة» باذخة تنتهي بانتهاء المصالح الضيقة ونضوب البئر .
يبدو أننا دخلنا عصر التحلل و « الذوبان السريع » لمواقف سياسية صدعوا رؤوسنا بها دهراً وكأنها « جبال شمسان » الراسخة ، فإذا بها مجرد « قطعة سكر » تلاشت في أول «كوب شاهي» قُدم لهم وبجواره « بنكس » !
لا أدري كيف ينام هؤلاء الذين خانوا التفويض ، بعد ان « لمّعهم » ونفخ في صورتهم المجلس الانتقالي ، وصنع منهم أسماءً يشار إليها بالبنان بعد أن كان بعضهم « نكرات » لا يعرفهم حتى جيرانهم في الحارة ؟ فبعد أن شبعوا من « خير » الشهرة والمسؤولية وذاقوا طعم الملايين ، لم يكتفوا بالانسحاب بكرامة ، بل قرروا «حلّ» المجلس وكأنه « بسطة خضار » ورثوها عن أجدادهم ، متناسين بوقاحة أن هذا الكيان قام على أكتاف البسطاء وتضحيات الأبطال الذين فوضوه بقلوبهم ودمائهم ، مؤمنين بنبل قضيتهم وهم لا يزالون يبحثون عن رغيف الخبز في أزقة عدن الصابرة وفي كل فجّ عميق بالجنوب.
لقد جفت أقلام وبُحت حناجر الشرفاء وهم يحذرون قيادة الانتقالي من سياسة « الاحتواء بالمجاملة» وتقريب «الشلل» والمصالح الشخصية والمناطقية الضيقة ..و كانوا يرددون بكل حرص : « الكفاءة قبل الوساطة ، والولاء للأرض والقضية لا للجيوب »، لكن القيادة استمرت في «عنادها» للأسف ، ومنحت الثقة لمن لا رصيد له في النضال سوى «الفهلوة» في الغرف المكيفة .
والنتيجة اليوم « بيان حل » مستورد من الخارج ، يتبعه « تصفيق » وتأييد من الداخل في مشهد هزلي يثير الشفقة ، يشبه تماماً من يهدم جدار بيته لمجرد أن عابراً قال له إن المنظر لا يعجبه !
ومع ذلك نقولها بملء الفم : إن هذا السقوط – وإن كان كارثياً في ظاهره – ليس نهاية المطاف ، بل قد يكون « منخلاً » ضرورياً لتصفية الشوائب .. فسفينة النضال التي يغادرها « تجار المواقف » ستكون أخف حملاً وأسرع وصولاً إلى الشاطئ .
المشكلة الحقيقية ليست فيمن حل و باع وذهب ، ولكنها فيمن سيبقى يمارس نفس « العقلية البليدة » في الاختيار مستقبلاً ، إن كان لا يزال هناك متسع في عمر الكيان وبقية من صبر لدى الشعب .
يا قيادة الانتقالي ، إن زمن «تِقرّص العافية» على حساب أنين الناس قد ولى بغير رجعة .
والشعب الجنوبي الذي فوضكم ووثق بكم ، لا ينتظر بيانات « حل » أو « ربط » ، لكنه ينتظر رجالاً يثبتون من أجل الوطن والشعب والقضية حين تزل الأقدام ، لا « بهلوانات » يبدلون جلودهم ومواقفهم حيثما مالت مصالحهم الشخصية .
الله يكون في عون هذا الشعب الصبور ، الذي يتلقى الطعنات ممن ظنهم «حماة القضية » و «حراس الحلم » ، فإذا بهم أول من يرفع « المعول » لهدم البيت فوق رؤوس الجميع .. وحسبنا الله ونعم الوكيل!
*ناصر بوصالح
نبض ابين