الجمعة , يونيو 12 2026

المتغيرات الإقليمية ومسؤولية القرار الجنوبي

بقلم: مثنى عبدالله ناصر

في السياسة، لا تتحرك التحولات الكبرى بضجيج عابر، بل بصمتٍ ثقيل يعيد رسم الخرائط بهدوء. وما تشهده المنطقة اليوم من تداخلات معقدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليس مجرد تصعيد ظرفي أو استعراض قوة، بل عملية إعادة صياغة استراتيجية لموازين النفوذ في الشرق الأوسط. هذه العملية تتجاوز حدود الاشتباك العسكري لتطال بنية النظام الإقليمي نفسه، وتفتح الباب أمام ترتيبات جديدة قد تعيد تعريف مواقع الفاعلين ودورهم في المرحلة المقبلة.

اليمن، بحكم موقعه الجيوسياسي وتشابك ملفه مع معادلات الإقليم، ليس بمنأى عن هذه التحولات. فأي تعديل في موقع إيران الإقليمي، سواء عبر احتواء نفوذها أو إعادة دمجها ضمن تفاهمات أوسع، سينعكس مباشرة على المشهد اليمني، إما عبر تسويات سياسية جديدة أو عبر إعادة تموضع للقوى المحلية بما ينسجم مع التوازنات الدولية القادمة. ومن هنا فإن قراءة ما يجري يجب ألا تكون قراءة آنية أو عاطفية، بل قراءة استراتيجية تستشرف ما بعد اللحظة الراهنة.

في هذه اللحظة الحساسة، يبرز احتمال أن تتجه بعض القوى في الشمال إلى ترتيب بيتها الداخلي استجابةً للضغوط الخارجية، وأن تتشكل تفاهمات “شمالية–شمالية” تعيد صياغة السلطة في صنعاء ضمن إطار يحظى باعتراف إقليمي ودولي سريع. التاريخ السياسي لليمن يشير إلى أن الشمال، حين يشعر بأن ميزان القوى يميل عليه، يسارع إلى إعادة ترتيب أوراقه والانتقال من الصراع المفتوح إلى التفاهمات المرحلية التي تحفظ له موقعًا في المعادلة الجديدة. الخطورة لا تكمن في هذه التفاهمات بحد ذاتها، بل في أن يُعاد تعريف الملف اليمني ضمن صيغة سياسية مغلقة بينما يدخل الجنوب تلك المرحلة دون اكتمال جاهزيته المؤسسية.

هنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: أين سيكون الجنوب إذا أعيدت صياغة المشهد من دون حضوره الفاعل في طاولة الترتيب؟ الشرعية الشعبية التي يتمتع بها المجلس الانتقالي الجنوبي، والحضور السياسي الذي يمثله عيدروس الزبيدي، يمثلان ركيزة مهمة في المشهد، لكن الزخم الشعبي مهما بلغ لا يكفي وحده لبناء موقع تفاوضي متقدم في لحظة إعادة هندسة إقليمية. فالدول لا تُدار بالشعارات، ولا تُحجز المقاعد في المعادلات الكبرى بالرمزية وحدها، بل بالبنية المؤسسية والقدرة الفعلية على الإدارة.

المرحلة الراهنة تفرض على الجنوب مراجعة شاملة تتجاوز الخطاب إلى البناء العملي، وتنتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي. المطلوب ليس فقط الحفاظ على التماسك الشعبي، بل ترسيخ وحدة القرار، وضبط الإيقاع العسكري ضمن قيادة واضحة، وبلورة رؤية سياسية جامعة تتجاوز التباينات، وبناء قاعدة اقتصادية وإدارية تعكس قدرة حقيقية على إدارة دولة. لأن أي مشروع لا يتحول إلى مؤسسات راسخة يظل عرضة للاهتزاز عند أول اختبار إقليمي.

الذاكرة الجنوبية تحمل درس عام 1994 بوصفه محطة مفصلية أعيد فيها ترتيب المشهد خارج حسابات الجنوب، وكانت النتيجة فرض واقع بالقوة أنهى شراكة سياسية وأدخل الجنوب في مرحلة طويلة من التهميش. جوهر الدرس لا يكمن في استعادة الألم، بل في إدراك أن غياب الجاهزية الداخلية ووضوح الرؤية يفتح الباب أمام إعادة تعريف المصير من خارج الإرادة الذاتية. وإذا كانت الظروف اليوم مختلفة في تفاصيلها، فإن منطق التحولات الكبرى يبقى واحدًا، ومن لا يحسن قراءة اللحظة يجد نفسه جزءًا من نتائجها لا من صانعيها.

إن الجنوب يقدّر مواقف الدول الشقيقة والصديقة التي ساندته في مراحل مفصلية، غير أن الامتنان السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى ارتهان في القرار. التحالفات تُبنى على المصالح المتبادلة، والقرارات المصيرية تُصاغ وفق قراءة دقيقة للمصلحة الوطنية لا وفق اعتبارات المجاملة أو العاطفة. الاستقلال في القرار لا يعني القطيعة مع الشركاء، بل يعني إدارة العلاقة من موقع الندية والمسؤولية، بحيث يبقى المشروع الجنوبي مستندًا أولًا إلى إرادة شعبه وإلى مؤسساته.

المرحلة المقبلة قد تحمل تسويات كبرى أو إعادة تعريف لمراكز النفوذ في المنطقة، وقد يُعاد رسم الإطار السياسي للملف اليمني برمته. في مثل هذه اللحظات، لا ينتظر التاريخ المترددين، ولا يمنح موقعًا متقدمًا لمن لم يُحسن تنظيم صفوفه. الجنوب اليوم أمام مسؤولية تاريخية واضحة، أن يوحد قراره، ويحصن جبهته الداخلية، ويبني مؤسساته على أسس صلبة، حتى يكون شريكًا فاعلًا في أي معادلة قادمة لا مجرد متلقٍ لنتائجها. فالتاريخ لا يكرر نفسه إلا حين نتجاهل دروسه، واللحظات المفصلية لا تُمنح مرتين

عن ahmed

شاهد أيضاً

تعاظم الوعي الجنوبي في حماية اهداف ثورة شعب الجنوب …!!

عدن لايف الإخبارية✍ عوض كشميم ( تسقط الوصاية الأجنبية ، وادوات الاستعمار الجديد )واهم ومغالط …

خطاب الخنبشي الأخير.. رسائل تحتاج وقفة ومرتكزات منطقية

بقلم/ صالح علي محمد الدويل**7يونيه 2026م* *خطاب محافظ حضرموت “الخنبشي” الأخير انتقائي لا جامع. ركّز …

رحيل “سعيد عولقي” .. دفن مرحلة من انتماء الكلمة للصدق

بقلم/صالح علي محمد الدويل**6يونيه2026م* *غيّب الموت الكاتب والأديب الكبير سعيد عولقي أحد أهم القامات الثقافية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *