_عدن لايف – خاص_
_بقلم/ صلاح السقلدي_
نقلت وكالة “رويترز” ووكالات أنباء عالمية أخرى خبر طلب الرئيس اليمني رشاد العليمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل عسكرياً في اليمن إلى جانب قوات الحكومة المعترف بها التي يقودها العليمي وتحظى باعتراف دولي في مواجهة حركة الحوثي (أنصار الله) التي زادت من رقعة السيطرة الجغرافية في الأسابيع الماضية وأحكمت سيطرتها على باب المندب الاستراتيجي.
هذا الطلب المعيب الذي يشكل لطخة عار بوجوه أصحابه وهو ليس الأول، لقي موافقة من ترامب ولكنه – بحسب ذات الوكالة – ما لبث أن تراجع عنه لأسباب غير معلومة، ربما هو في طور دراسة حجم وقيمة فاتورة ثمن هذا التدخل.
حين نستهجن مثل هكذا طلب معيب فنحن ننطلق من عدة اعتبارات ومبررات منطقية ومشروعة في المنطقة العربية، منها:
*أولاً:* غيرة وطنية وأخلاقية نأبى معها شرفاً أن نرضى أن تستباح أرضنا تحت أي مبرر ومن أي جهة خارجية.
*ثانياً:* أي دعم خارجي يجب أن يكون مكملاً وسنداً وثيقاً للداخل وليس بديلاً عنه أو تابعاً له.
*ثالثاً:* نرفض أي تغيير يأتي عنوة من الخارج، فأي تغيير بما فيه تغيير النظام وإسقاطه يجب أن يكون من الداخل وبإرادة وطنية محضة وليس على ظهر دبابة أمريكية أو غير أمريكية أو يتم من فوهة قذائف وصواريخ طيران من خلف الحدود.
لمعرفتنا يقيناً أن هكذا تدخل في بلد منهك وممزق ويمتاز شعبه شمالاً وجنوباً بالغيرة والاعتداد بالنفس برغم ما يعانيه من نكبات وقساوة عيش وضنك حال مثل اليمن، سيزيد الأوضاع تعقيداً وهي الأوضاع المعقدة أصلاً ويكرس لمزيد من الانقسامات الداخلية السياسية والجهوية والأيديولوجية والطائفية بشكل يستعصي التنبؤ بكارثيته ومآلاته في وطن تفترسه الخلافات السياسية والجغرافية وتنهشه الفتن الطائفية بشكل مريع.
سيعمق أي تدخل خارجي وبالذات حين يكون من جانب دولة أجنبية متغطرسة يقودها رئيس مجنون جشع طامع لا يفكر من عقله بل من جيبه المتخم ولا يبالي لدماء تسيل بقدر ما يحسب كم مليار كسب مقابل كل تدخل أو اعتداء أو ابتزاز قام به مثل ترامب.
فكل التدخلات والغزوات العسكرية الغربية بالمنطقة من العراق إلى ليبيا والصومال والسودان وأفغانستان وفنزويلا وسوريا كانت بوابات جحيم مشرعة أمام شعوب تلك الدول واستبدلت أنظمة فاشلة بوضع احتلال وتدمير وحمامات دماء وسيادة منتهكة وثروات منهوبة وكرامة مهدورة ومستقبل ضائع.
ففي العراق عام 2003م أتت حكومة عميلة بقيادة أحمد الجلبي منبوذة مرتهنة للخارج، أتت فوق دبابات أمريكية وبريطانية مطهمة بذريعة أسلحة كيميائية مستفيدة من سوءات النظام السابق، وماذا كانت النتيجة؟ دخل العراق في مغارة مظلمة ولا يزال فيها حتى بعد مرور عقدين ونيف.
اليوم في اليمن وبالذات في الشمال بالرغم من إحكام حركة أنصار الله على مقاليد الأمور وتثبيت شيء من الأمن وخلو سلطتها من تعدد الرؤوس والأجنحة المتصارعة كما هو في عدن ومأرب، إلا أن ثمة رفض شعبي نخبوي لسلطة الحركة المؤدلجة لا تقبلها كل المناطق والجغرافيا، وثمة نزوع شعبي نحو الحاجة للتغيير والخروج من قبضة الهيمنة الأيديولوجية الواحدة أو على أقلها فرض مطلب سلام ومصالحة وطنية يكون فيها الجميع شركاء بالسلطة والقرار والثروة بعيداً عن سلطة الأيديولوجيا المذهبية.
إلا أن كل هذه المطالب يرفض معظم إن لم نقل كل أصحابها أن تتحقق لهم بأدوات أجنبية وتنتهك سيادة بلادهم بيد أجنبية، وترى بالتالي أن أي تدخل عسكري خارجي حتى وإن كان سيحقق لها غاياتها وتقمص الشرعية الدستورية وحظي ببعض الدعم الإقليمي والدولي وتحت أي غطاء كما حدث في العراق لن يكون إلا قبراً موحشاً لمطالبها المشروعة وبداية لجولة صراعات دامية لا تبقي ولا تذر.
وستنسحب القوات الأجنبية بالأخير وتلوذ بجنودها وأسلحتها بعد أن تكون قد قبضت الثمن وقضت منها وطرها بتمزيق دولة أخرى تضاف إلى قائمة الدول المدمرة الفاشلة المتناحرة بالمنطقة، وتركت أصحاب البلد يواجهون مصيرهم القاتم لوحدهم، ويجني من أتى بهؤلاء الغزاة وشذاذ الآفاق الخيبة واللعنات ويبصق الكل بوجوههم، فالتاريخ ذاكرة لا تخون ولا تتزحزح من التجارب والعبر ومن أفعال الارتهان للأجنبي.
إن سلطة الرئيس العليمي لا ينقصها العتاد والسلاح والرجال حتى تتوسل وبطريقة مخزية ومشينة تدخل ترامب وجيشه، فالدعم السعودي المادي والعسكري والسياسي الذي تتلقاه حكومته يكفي وزيادة لبلوغ صنعاء واستعادة الحكم هناك وإسقاط الحركة الحوثية.
فالمشكلة ليست بالإمكانيات والجيوش بل بالفشل والتفكك والارتزاق المهين الذي يعتري معسكر العليمي وجماعته ومظلة وتحالف المملكة العربية السعودية التي باتت تائهة تخبط خبط عشواء وبالذات بعد أن فقدت حلفاءها بالتحالف وأجهزت على القوة الجنوبية المنظمة في يناير كانون الثاني الماضي في حضرموت.
كما أن هكذا تدخل متوقع لن يكتب له النجاح أصلاً، فاليمن عبر العصور لم تكن غير ثقب أسود لكل الجيوش الأجنبية، فحتى الجيش العربي المصري الذي أتى لنصرة ثورة عام 62م كانت نهايته مأساوية وهو الجيش العربي المسلم، فما ظننا بجيش أمريكا سيء الصيت والسمعة يغزو بلداً غيوراً مقاتلاً كاليمن حتى وإن أتى بطلب من رئيس معترف به دولياً يقال جزافاً إنه رئيس شرعي يمثل كل اليمنيين.
ونتذكر نحن في الجنوب ومنذ اندلاع الثورة السلمية على إثر حرب 94م أننا كنا ولا زلنا نخجل من أي حديث عن الاستعانة بالخارج حتى وإن كانت استعانة سياسية وإعلامية من دولة عربية لا أجنبية، برغم سطوة الحكم ضدنا حينها، ليقيننا أن هكذا مطلب وإن حقق لنا طموحاتنا إلا أنه سيظل عاراً وخزياً يلاحقنا مدى الدهر.
فلا نعلم كيف سيكون موقف هؤلاء الذين يستجدون الجيوش الأجنبية أن تنتهك سيادة بلدهم وكرامة شعبهم تحت جنازير دبابات الغرباء وأزيز طائراتهم لإيصالهم لسدة الحكم، وبأي وجه سيقابل هؤلاء أولادهم وناسهم وكيف لهم بعد ذلك أن يتحدثوا عن وطن ووطنية ودين وملة وكرامة؟
نبض ابين