كتبه الصحفي: محمد التوي
في لحظات التحولات الكبرى، لا تقاس قوة المجتمعات بكثرة الأصوات التي تتحدث باسمها، ولا بعدد المكونات التي تتصدر المشهد، وإنما بقدرتها على جمع هذه الأصوات حول قواسم مشتركة، وتحويل التعدد إلى مصدر قوة، والاختلاف إلى مساحة للحوار، وتباين المواقف إلى رؤية متماسكة قادرة على حماية المصالح وصناعة المستقبل.
ومن هذه الحقيقة تحديدا، تنبع أهمية التلاحم الحضرمي اليوم؛ فحضرموت تقف أمام مرحلة مفصلية تتقاطع فيها متغيرات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متسارعة، وتفرض واقعا جديدا لا يحتمل المزيد من التشتت أو تضييع البوصلة.
لم يعد ترتيب البيت الحضرمي الداخلي ترفا سياسيا، ولا مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل أصبح ضرورة وطنية ومسؤولية تاريخية تقتضيها طبيعة المرحلة وحجم الاستحقاقات القادمة.
فحين تتسارع الأحداث تصبح وحدة الصف قوة تفاوض، وحين تتعدد التحديات، تصبح وحدة الموقف جدار حماية، وحين تتسع الأطماع والمشاريع، تصبح حضرموت بأبنائها ومكوناتها وقواها الحية أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في أن تكون صاحبة صوت واضح، ورؤية ناضجة، وموقف موحد تجاه قضاياها وحقوقها ومستقبلها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية باعتباره إطارا جامعا يمكن أن يسهم في ترتيب المشهد الحضرمي، وتوسيع مساحة التشاور، وتنسيق المواقف، وتقريب وجهات النظر بين مختلف القوى والمكونات والنخب والشخصيات الاجتماعية والسياسية.
والأهمية الحقيقية لأي إطار جامع لا تكمن في اسمه أو عدد مكوناته، وإنما في قدرته على الاستماع للجميع، واستيعاب التنوع، وإدارة الاختلاف، وصياغة الأولويات المشتركة، وتحويل الإرادة الحضرمية المتفرقة إلى موقف مسؤول ومتماسك.
فحضرموت ليست صوتا واحدا، ولا ينبغي أن تكون كذلك؛ فهي مجتمع متنوع في رؤاه وتوجهاته ومكوناته، لكن هذا التنوع لا يعني بالضرورة التنازع، بل يمكن أن يكون مصدر ثراء وقوة عندما يجتمع الجميع على قاعدة المصالح العليا لحضرموت وأبنائها.
وهنا تحديدا تكمن قيمة التلاحم؛ فليس المطلوب إلغاء الاختلاف، وإنما تنظيمه، وليس المطلوب توحيد الجميع في رأي واحد، وإنما توحيدهم حول الثوابت والمصالح العليا.
فإن شعار «حضرموت أولا» لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة سياسية براقة، بل يجب أن يتحول إلى منهج عمل وثقافة سياسية ومجتمعية راسخة.
فحضرموت أولا تعني أن تكون مصلحة المحافظة وأبنائها في مقدمة الحسابات، وأن تكون قضاياها وحقوقها ومواردها وأمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها محل إجماع وطني حضرمي واسع.
وتعني كذلك أن تكون الخلافات السياسية أقل أهمية من المصالح العليا، وأن تظل أبواب الحوار مفتوحة مهما اتسعت مساحة التباين، وأن ينظر إلى الآخر باعتباره شريكا في صناعة المستقبل، لا خصما يجب إقصاؤه.
فالمراحل الاستثنائية لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، وإنما تحتاج إلى عقل سياسي واسع، وإرادة مجتمعية صلبة، وقيادات قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة نحو الأفق الأوسع.
فالتلاحم الحضرمي المنشود لا يعني ذوبان المكونات أو إلغاء خصوصياتها، بل يعني أن تتحول هذه المكونات بكل تنوعها، إلى روافد تصب في اتجاه واحد.
فحين تتلاقى القوى السياسية والمجتمعية، وحين تتحاور النخب والشخصيات الاجتماعية، وحين يجد الشباب والمرأة والمثقفون والأكاديميون والوجهاء مساحة حقيقية للمشاركة، تصبح حضرموت أمام فرصة تاريخية لصياغة مشروع حضرمي جامع يتجاوز الأشخاص والمراحل والاصطفافات العابرة.
فالتحدي الحقيقي أمام المجلس التنسيقي الأعلى هو أن يثبت أن التعدد يمكن أن يكون قوة، وأن الحوار يمكن أن يكون طريقا للاتفاق، وأن الاختلاف يمكن إدارته بعقلانية، وأن المصلحة العامة تستطيع أن تنتصر على الحسابات الضيقة؛ فالمرحلة تفرض وحدة الموقف.
فحضرموت اليوم ليست أمام مرحلة عادية؛ فالمتغيرات من حولها تتسارع، والاستحقاقات القادمة ستكون أكبر من قدرة أي مكون منفرد على التعامل معها.
ومن هنا فإن وحدة الصف الحضرمي ليست ترفا، بل رافعة سياسية ومجتمعية.
وكلما اتسعت دائرة التفاهم ازدادت قدرة حضرموت على التعبير عن مصالحها، والدفاع عن قضاياها، والتعامل مع مختلف الأطراف من موقع أكثر تماسكًا وثقة.
أما استمرار التشتت وتعدد المواقف المتناقضة، فإنه لا يخدم حضرموت مهما كانت النوايا حسنة؛ لأن اللحظات التاريخية لا تنتظر المترددين، والفرص السياسية لا تمنح دائما مرتين.
إن حضرموت أمام مسؤولية تاريخية، وما تحتاجه اليوم ليس المزيد من الخطابات التي ترفع شعار الوحدة ثم تعود إلى مربع الانقسام، وإنما عمل حقيقي يترجم التلاحم إلى مؤسسات وآليات للتشاور والتنسيق والحوار.
إذ تحتاج حضرموت إلى أن يسمع أبناؤها بعضهم بعضا، وأن يجلس المختلفون على طاولة واحدة، وأن تتحول القواسم المشتركة إلى برنامج عمل، وأن تصبح المصلحة الحضرمية العليا معيارا للمواقف والقرارات.
وفي هذا السياق، يمكن للمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية أن يكون مساحة جامعة لكل من يؤمن بأن حضرموت تستحق أن يكون لها صوت قوي، ورؤية واضحة، وموقف يحمي مصالحها ويصون نسيجها الاجتماعي.
فالرهان الحقيقي ليس على مكون ضد مكون، ولا على طرف في مواجهة طرف، وإنما على حضرموت بكل أبنائها ومكوناتها وتنوعها.
وفي النهاية، فإن التلاحم الحضرمي ليس مجرد استجابة لظرف عابر، بل هو استحقاق تفرضه المرحلة، ومسؤولية تقع على عاتق الجميع.
إنها لحظة يتوجب فيها أن يرتفع صوت العقل فوق ضجيج الخلاف، وأن تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة، وأن تتحول حضرموت من تعدد الأصوات إلى وحدة الهدف، ومن تفرق المواقف إلى تماسك الرؤية، ومن انتظار الأحداث إلى صناعة الموقف.
حضرموت أولا .. ليست شعارا يقال، بل عهد يترجم إلى موقف، ومسؤولية تحمل، ومستقبل يستحق أن يتوحد من أجله الجميع.
نبض ابين