كتبه : جمال جابر الحميدي
رئيس مجلس الحراك المدني
يمثل حضور كوادر الحراك الجنوبي داخل مؤسسات الدولة نسبة محدودة جدا قياسا بحجم الاستحقاق السياسي الذي تراه مكونات الحراك لنفسها .. ومع ذلك لا تزال بعض هذه الكوادر تواجه اشكالا مختلفة من التعنت والاقصاء ومحاولات التهميش عبر ذرائع ادارية تبدو في ظاهرها قانونية بينما تخفي خلفها صراعات نفوذ وحسابات ضيقة .
وتبرز حالة الاستاذ سعيد الحسيني مدير عام الشؤون المالية لصندوق صيانة الطرق كنموذج لافت لكادر اداري عرف بالكفاءة والنزاهة وكان له دور واضح في كشف ملفات فساد ومحاربتها .. غير ان المفارقة تكمن في ان مثل هذه الجهود لم تتحول الى تقدير او ترقية بقدر ما انتهت بقرار نقله تحت عنوان التدوير الوظيفي الى صندوق دعم التشجيع الزراعي السمكي .. ثم تعثر تنفيذ القرار نفسه رغم صدوره من وزير المالية .
وكان من المنطقي ان تتحول خبرة الرجل وسجله المهني الى فرصة للترقية وتحمل مسؤوليات اكبر لا ان تصبح سببا للدخول في دوائر الاستبعاد والتجاذب .. خصوصا وهو يعد من الكوادر التي ارتبط اسمها بالحراك الجنوبي وبالحضور الاداري المهني في الوقت ذاته .
والمشكلة هنا لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تعكس صورة اوسع لطبيعة العلاقة المرتبكة بين الكفاءة ومراكز النفوذ داخل بعض مؤسسات الدولة .. فحين يصبح المسؤول النزيه مصدر قلق للبعض فقط لانه يقترب من ملفات حساسة او يكشف مكامن الخلل فإن الرسالة التي تصل الى بقية الكوادر تكون خطيرة وواضحة في آن واحد .. وهي ان الصمت اكثر امانا من المواجهة وان الابتعاد عن ملفات الفساد قد يكون الطريق الاسهل للبقاء .
كما ان التعامل مع الكفاءات بعقلية الاقصاء لا يؤدي فقط الى ظلم افراد بعينهم بل يفتح الباب امام اضعاف مؤسسات الدولة نفسها .. فالدول لا تبنى بتصفية اصحاب الخبرة ولا بتدوير الوجوه وفق حسابات ضيقة بل تبنى بالحفاظ على الكفاءات ومنحها المساحة اللازمة للعمل والاصلاح وتحمل المسؤولية .
وفي ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد تبدو الحاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى الى شخصيات ادارية تمتلك النزاهة والخبرة والقدرة على مواجهة الفساد بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة .. لان خسارة الكفاءات الحقيقية لا تمثل خسارة لاشخاص فقط بل خسارة لمفهوم الدولة نفسها ولمبدأ العدالة الوظيفية الذي يفترض ان يكون فوق كل الاعتبارات .
نبض ابين