بقلم: عيدروس المدوري
– أرشيف الكاتب
ما حدث في المستشفى اليمني السويدي بتعز ليس مجرد واقعة عابرة تمر مرور الكرام في سجل الأخطاء الإدارية بل هو إعلان وفاة لما تبقى من إنسانية في هيكل المؤسسات الصحية أن يقف أبٌ مكسوراً أمام باب العناية المركزة يرقب أنفاس ابنته وهي تتلاشى بينما تساومه الإدارة على ثلاثين ألف ريال ثمن لا يساوي قيمة وجبة غداء لمسؤول فهذا ليس نظاماً صحياً بل هي مقصلة مجهزة للفقراء فقط .
لقد تحولت أبواب الطوارئ في مستشفياتنا الحكومية من نقطة إنقاذ إلى نقطة فرز إن كنت تملك المال فالأجهزة تعمل والأطباء في خدمتك وإن كنت فقيراً فالموت هو الخيار المجاني الوحيد المتاح لك كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من التبلد ؟ كيف يغمض جفن لممرض أو طبيب أو إداري وهو يرى طفلة تلحق بربها لأن والدها لم يجد حفنة من الريالات في بلدٍ ينهشه الفقر والوجع ؟
المستشفيات الحكومية وُجدت بقرار سيادي وقانوني لتكون الملاذ الأخير للمواطن المطحون لا لتتحول إلى سوق سوداء تتاجر بآلام الناس في لحظات الاحتضار الابتزاز المالي في لحظات الموت هو جريمة مكتملة الأركان لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها بيانات التعزية الباردة التي تصدرها الجهات المعنية لتخدير الرأي العام .
نحن لا نتحدث هنا عن نقص في الإمكانيات أو انعدام الأدوية وهي شماعة جاهزة دائماً بل نتحدث عن انهيار الرحمة وانعدام الضمير عندما يصبح السيستم المالي أهم من النبض فنحن أمام كارثة أخلاقية تستدعي ثورة شاملة إن محاسبة الموظف الذي رفض إدخال الطفلة هي خطوة أولى لكنها غير كافية المحاسبة يجب أن تطال المنظومة التي شرعنت هذا النوع من التعامل وحولت الطب من مهنة مقدسة إلى جباية مقيتة .
إننا اليوم ومن وسط هذا القهر لا نطالب بشيء مستحيل بل نطالب بحقوق يكفلها الدستور وتفرضها الفطرة البشرية :
1. العلاج الفوري للحالات الطارئة يجب إصدار قرار ملزم ومراقب بدقة يمنع منعاً باتاً طلب أي مبالغ مالية قبل استقرار الحالة الصحية للمريض في أقسام الطوارئ والعناية .
2. تفعيل الرقابة والمحاسبة تحويل كل من يتسبب بوفاة مريض نتيجة عائق مالي إلى القضاء بتهمة القتل غير العمد أو الإهمال الجسيم المؤدي للوفاة .
3. إعادة الاعتبار للمرفق الحكومي تطهير المستشفيات من العقلية التجارية وإعادتها كحق مشاع للشعب لا إقطاعيات خاصة لمدراء الإدارات .
الوطن الذي يموت فيه الأطفال على أبواب المستشفيات هو وطن يصرخ من شدة الخزي إن دماء تلك الطفلة في تعز هي وصمة عار في جبين كل مسؤول صمت وكل إداري تواطأ وكل إنسان رأى الظلم ولم ينكره .
لن نقبل بأن تكون أرواحنا رهينة لثلاثين ألف ريال ولن نصمت حتى نرى قانوناً يحمي الفقير قبل الغني فالوجع لا يعرف الطبقات والموت لا ينتظر اكتمال الإجراءات المالية .
Mass Image Compressor Compressed this image. https://sourceforge.net/projects/icompress/ with Quality:80
نبض ابين