بقلم / الأستاذ أحمد العبيد
لم يعد ما يجري في المشهد الدبلوماسي السوداني مجرد إخفاقات سياسية متفرقة، بل تحول إلى انهيار كامل لسلطة بورتسودان التي اختطفت القرار الوطني وأدخلت البلاد في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة. فالصفعة التي تلقتها هذه السلطة بعد الخطوة الأثيوبية الأخيرة تجاه سفيرها في أديس أبابا لم تكن حدثاً معزولاً، وإنما تعبير واضح عن حجم الرفض المتزايد لسلطة فقدت شرعيتها السياسية والأخلاقية، وأصبحت تُنظر إليها باعتبارها امتداداً لمشروع جماعة الإخوان الذي جر السودان إلى الخراب والحروب والانقسام.
لقد تحولت الدبلوماسية السودانية في عهد هذه السلطة إلى واحدة من أكثر مؤسسات الدولة ارتباكاً وتشويهاً . فبدلاً من أن تكون السفارات السودانية جسوراً للتواصل وحماية مصالح الشعب، جرى تحويلها إلى أدوات تخدم أجندات تنظيمية ضيقة، يقودها خطاب متطرف قائم على العداء والتصعيد والتخوين. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتراجع مكانة السودان الخارجية بهذا الشكل المهين، وأن يصبح ممثلو هذه السلطة عرضة للرفض والإقصاء في أكثر من عاصمة إقليمية ودولية.
إن سلطة بورتسودان لم تكتفِ بإغراق السودان في الدماء والدمار الداخلي، بل نقلت أزماتها وصراعاتها إلى الخارج، حتى بات اسم السودان مرتبطاً بالتوتر والفوضى والانهيار السياسي. فالعالم اليوم بات يدرك جيداً أن هذه السلطة لا تعبّر عن الشعب السوداني ولا عن تطلعاته نحو السلام والاستقرار والدولة المدنية، وإنما تمثل بقايا مشروع سلطوي مأزوم يعيش على صناعة الأزمات والهروب إلى الأمام. ولهذا بدأت كثير من الدول تتعامل معها باعتبارها سلطة مؤقتة ومعزولة، لا تملك رؤية وطنية ولا مشروعاً لبناء علاقات متوازنة تحفظ مصالح السودان التاريخية.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن جماعة الإخوان التي تسيطر على القرار داخل سلطة بورتسودان ما تزال تستخدم مؤسسات الدولة، وعلى رأسها السلك الدبلوماسي، كأدوات لحماية بقائها السياسي، غير مدركة أن الشارع السوداني تجاوزها بالكامل. فالسودانيون اليوم باتوا أكثر وعياً بحقيقة المعركة، وأكثر إصراراً على استعادة مؤسساتهم الوطنية من قبضة الجماعات التي شوهت صورة السودان وأفقدته احترامه وهيبته. والتاريخ لن يرحم الذين أوصلوا البلاد إلى مرحلة أصبحت فيها كرامة السودان تُهان في الخارج، بينما ينشغل قادة السلطة بإنتاج المزيد من الخطابات الفارغة وتصدير الأزمات بدلاً من الاعتراف بفشلهم الكامل.
إن السودان أكبر من هذه السلطة الطارئة، وأعمق من مشروع الإخوان الذي يتهاوى أمام غضب الشارع وعزلة الخارج. وما يحدث اليوم ليس سوى بداية السقوط السياسي والدبلوماسي الكامل لسلطة فقدت ثقة الداخل واحترام العالم، وباتت أيامها مرهونة بإرادة شعب قرر أن يستعيد وطنه ومؤسساته من قبضة الفشل والاستبداد والانهيار.
نبض ابين