تقرير / حمدي العمودي
منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في مايو 2017م، برئاسة القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، برز المجلس كأحد أهم الفاعلين السياسيين الجنوبيين، واضعًا قضية الجنوب في صدارة خطابه السياسي ومشاركًا في مسارات التفاوض والتسوية المتعلقة بمستقبل اليمن.
وجاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد، عقب «إعلان عدن التاريخي» في 4 مايو 2017م، قبل أن يُعلن تشكيل المجلس في 11 مايو من العام نفسه. ومنذ ذلك التاريخ، عمل المجلس الانتقالي على بناء هياكل تنظيمية وهيئات سياسية ومحلية في عدد من محافظات الجنوب، مع طرح قضية شعب الجنوب باعتبارها قضية سياسية يتعين أن تكون حاضرة في أي تسوية شاملة.
من الحراك السياسي إلى بناء المؤسسات:
لم يقتصر نشاط المجلس الانتقالي على الجانب السياسي والإعلامي، بل سعى خلال السنوات الماضية إلى توسيع حضوره التنظيمي في محافظات الجنوب، وعقد اجتماعات وفعاليات وهيئات محلية في عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى.
ويرى أبناء الجنوب أن هذا الانتشار التنظيمي أسهم في إيجاد إطار سياسي جامع لقطاعات واسعة من الجنوبيين، فيما تشير دراسات وتقارير مستقلة إلى أن المجلس الانتقالي أصبح فاعلًا سياسيًا وعسكريًا مؤثرًا داخل المعسكر المناهض للحوثيين، مع امتلاكه تشكيلات مسلحة مرتبطة به أو متحالفة معه.
الحضور العسكري ودور القوات الجنوبية:
ارتبط المسار السياسي للمجلس بصورة وثيقة بالتطورات العسكرية التي شهدتها محافظات الجنوب منذ عام 2015م. فقد شاركت تشكيلات جنوبية في مواجهة الحوثيين، كما خاضت عمليات ضد جماعات مسلحة متطرفة في عدد من المحافظات، وهو ما أتاح لها بناء حضور عسكري وأمني واسع في أجزاء من الجنوب.
وتشير مصادر دولية إلى أن القوات الجنوبية لعبت دورًا مهمًا في منع الحوثيين من توسيع سيطرتهم باتجاه الجنوب خلال السنوات الأولى للحرب، كما شاركت في القتال ضد الجماعات المسلحة وتنفيذ مهام أمنية في محافظات الجنوب.
كما دخل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في مسارات سياسية رسمية، أبرزها مفاوضات اتفاق الرياض الذي وُقّع في نوفمبر 2019م بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية، قبل أن يصبح الرئيس عيدروس الزُبيدي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022م.
توحيد الصف الجنوبي.. مسار متواصل:
يرى شعب الجنوب العربي المجلس الانتقالي أحد أبرز أهدافه منذ تأسيسه تمثل في جمع القوى الجنوبية حول إطار سياسي واحد، وربط النشاط السياسي بالمجتمع المحلي والهياكل التنظيمية والقبلية والأمنية والعسكرية.
غير أن هذا المسار واجه ولا يزال يواجه تحديات متعددة، بينها تعدد المكونات الجنوبية، وتباين المواقف بشأن حضرموت والمهرة وشبوة وغيرها، إضافة إلى التدخلات الإقليمية وتداخل الملفات الجنوبية مع الصراع اليمني الأوسع.
ومن ثم، فإن عملية توحيد الصف الجنوبي يمكن قراءتها باعتبارها مسارًا سياسيًا واجتماعيًا متدرجًا، لا حدثًا واحدًا اكتمل في لحظة زمنية محددة.
يناير 2026م.. نقطة تحول في العلاقة مع السعودية:
شهدت الأيام الأولى من يناير 2026م تصعيدًا عسكريًا كبيرًا في الجنوب ، بعد عملية التحرير التي قادتها القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة.
وتؤكد تقارير دولية أن السعودية قدمت دعمًا عسكريًا للقوات الغازية التي استعادت حضرموت والمهرة،والتي وصلت من مأرب والجوف اليمنيتين،والتي كان من المفروض أن تقوم هذه القوات بقتال الحوثي لا قتال أبناء الجنوب، فقد عملت المملكة العربية السعودية قصف القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة والضالع، كما تحدثت تقارير عن غارات جوية سعودية استهدفت مواقع تابعة للقوات الجنوبية خلال التصعيد.
وبحسب مركز South24، شهدت تلك الفترة مئات الغارات الجوية على مواقع للقوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، كما أشار المركز إلى غارات في الضالع وسقوط شهداء وجرحى، مع التأكيد أن هذه الأرقام صادرة عن مصادر عسكرية محلية وليست حصيلة مستقلة نهائية.
وتقدم هذه الوقائع أساسًا لفهم حجم التحول الذي طرأ على العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية؛ فبعد سنوات من العمل ضمن إطار التحالف المناهض للحوثيين، تحولت العلاقة في يناير 2026م إلى مواجهة عسكرية مباشرة في بعض المناطق الجنوبية.
بين الرواية الجنوبية والرواية السعودية:
من منظور المجلس الانتقالي وشعب الجنوب، مثلت أحداث يناير محاولة للحد من نفوذ القوات المسلحة الجنوبية وإعادة ترتيب موازين القوى في الجنوب، بينما قدمت الرياض والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا الأحداث باعتبارها تحركًا لاستعادة مواقع ومؤسسات الدولة ومنع خطوات أحادية الجانب تهدد أمن السعودية ووحدة اليمن، وهذا الأمر جعل الحوثي من استغلال هذه الثغرة وإعادة ترتيب قواته والسيطرة على المناطق والمواقع التي كانت محررة من قبل.
وقد نقلت وسائل إعلام دولية أن الرياض اعتبرت توسع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في المحافظات الحدودية تهديدًا لأمنها، بينما اتهم المجلس السعودية باستهداف قوات المسلحة الجنوبية لإضعافه وفتح المجال لإعادة احتلال الجنوب من قبل مليشيات الحوثي الإرهابية وجماعة الإخوان «حزب الإصلاح» اليمني.
انعكاسات التصعيد على مواجهة الحوثيين:
تثير المواجهات داخل المعسكر المناهض للحوثيين سؤالًا أساسيًا حول أثر الصراع بين القوى الجنوبية والقوى المدعومة من السعودية على الجبهة المناهضة للحوثيين.
فالقوات المسلحة الجنوبية كانت خلال سنوات الحرب جزءًا من العمليات العسكرية ضد الحوثيين في عدد من الجبهات، كما شاركت في مواجهة الجماعات المسلحة في محافظات الجنوب. ومن هذا المنطلق، يرى شعب الجنوب أن إضعاف هذه القوات المسلحة الجنوبية أو تفكيك تشكيلاتها يمكن أن ينعكس على القدرة العسكرية في مواجهة الحوثيين والجماعات المسلحة.
وفي المقابل، ترى الحكومة اليمنية والسعودية أن توحيد القيادة العسكرية ضمن مؤسسات الدولة يمثل شرطًا لإدارة الحرب بصورة أكثر اتساقًا.
وبذلك، فإن الخلاف لا يتعلق بالجانب العسكري وحده، بل يرتبط أيضًا بالسؤال السياسي الأوسع حول مستقبل الجنوب، وطبيعة القوات التي ينبغي أن تتولى الأمن والدفاع، ومن يمتلك قرارها السياسي والعسكري.
المجلس الانتقالي والقضية الجنوبية في التسوية السياسية:
خلال السنوات الماضية، عمل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي على تثبيت القضية الجنوبية باعتبارها ملفًا رئيسيًا في أي عملية سياسية تتعلق بمستقبل اليمن.
ويعلن المجلس رسميًا أنه يمثل تطلعات شعب الجنوب، وأن هدفه السياسي مرتبط بحدود ما قبل 22 مايو 1990م، مع تأكيده على أن تحديد مستقبل الجنوب وينبغي أن يرتبط بإرادة شعبه.
ختاماً…
تكشف تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه عام 2017م عن انتقال قضية الجنوب من مرحلة الحضور الاحتجاجي والسياسي المتعدد المكونات إلى مرحلة امتلاك إطار سياسي أكثر تنظيمًا وحضورًا عسكريًا وأمنيًا واسعًا.
كما أظهرت أحداث يناير 2026م أن مستقبل الجنوب لا ينفصل عن التوازنات الإقليمية والدولية، وأن العلاقة بين القوى الجنوبية والسعودية أصبحت واحدة من الملفات المؤثرة في المشهد اليمني.
وبينما يواصل شعب الجنوب التأكيد على وحدة الصف الجنوبي وحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، تبقى عملية بناء توافق جنوبي واسع تحديًا مستمرًا، إلى جانب التحدي الأكبر المتمثل في صياغة تسوية سياسية تعالج القضية الجنوبية، وتحدد مستقبل المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في الجنوب، بما ينسجم مع تطلعات مختلف القوى والمكونات الجنوبية.
نبض ابين