✍🏻 عقيد/ محسن ناجي مسعد
منذ لحظة انطلاقه كقوة سياسية وعسكرية تمثل الإرادة الجنوبية، رفع المجلس الانتقالي الجنوبي شعار التحرير والاستقلال واستعادة الدولة، وحظي بتأييد شعبي واسع بوصفه المعبّر الأبرز عن تطلعات الجنوب نحو الخلاص من منظومة الاحتلال اليمني. غير أن دخوله في شراكة سياسية وأمنية مع نظام الاحتلال أوجد حالة من الالتباس والجدل حول موقع القضية الجنوبية ومصيرها في ظل تلك الشراكة التي جمعت بين المتناقضين (مشروع التحرير ومصالح الاحتلال).
أولاً: صوابات المجلس الانتقالي في الشراكة.
على الرغم من الجدل الذي صاحب هذه الخطوة، فإن المجلس الانتقالي تمكن من تحقيق عدد من المكاسب التي لا يمكن إنكارها.
أولى هذه المكاسب كانت انتزاع الاعتراف السياسي والوجود الرسمي، إذ لم يعد المجلس مكونًا محليًا معزولًا، بل أصبح طرفًا معترفًا به في المعادلة الإقليمية والدولية، يشارك في الحوارات والمفاوضات ويؤثر في القرارات المصيرية المتعلقة بالجنوب.
كذلك نجح المجلس في الحفاظ على جزء من بنية القوة الجنوبية، سواء في المؤسسات العسكرية أو الأمنية، ومنع تفكيكها أو دمجها الكامل ضمن قوات الاحتلال، وهو ما يُعد مكسبًا استراتيجيًا للمستقبل. كما أن الشراكة ساهمت في تخفيف حدة الصدام العسكري، ما أتاح للمجلس فرصة لترتيب الصفوف وإدارة شؤون بعض المحافظات الجنوبية بعيدًا عن الفوضى والحرب المفتوحة.
إضافة إلى ذلك، أتاحت الشراكة للمجلس نافذة اتصال مباشرة مع القوى الإقليمية والدولية، خاصة دول التحالف العربي، وهو ما عزز من حضوره كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة.
ثانيًا: أخطاء المجلس الانتقالي في الشراكة.
لكن مقابل تلك المكاسب التكتيكية، ارتكب المجلس الانتقالي جملة من الأخطاء السياسية والاستراتيجية التي انعكست سلبًا على مسار القضية الجنوبية نفسها.
أول هذه الأخطاء تمثل في الخلط بين التكتيك والتحالف، إذ كان من المفترض أن تكون الشراكة خطوة مؤقتة تخدم هدف التحرير، لكنها تحولت إلى ارتباط طويل الأمد جعل المجلس يبدو وكأنه جزء من منظومة الاحتلال لا خصمًا له.
كما أدى ذلك إلى تآكل الخطاب التحرري الجنوبي، فالمجلس الذي كان يتحدث باسم الاستقلال بات يتحدث بلغة “التوافق” و”الائتلاف”، ما أضعف حماسة الشارع الجنوبي الذي رأى في ذلك تراجعًا عن الهدف الأساسي.
هذا التحول الخطابي ترافق مع تراجع الثقة الشعبية، إذ شعر كثير من الجنوبيين أن المجلس تخلى عن جوهر القضية مقابل مكاسب شكلية في السلطة، فيما لا تزال مؤسسات الاحتلال تهيمن على القرار السياسي والاقتصادي في العاصمة عدن.
الخطأ الآخر هو الارتهان للقرار الخارجي، حيث تحوّل المجلس إلى تابع أكثر من كونه شريكًا، وتقلصت مساحة قراره الوطني المستقل تحت تأثير التحالف العربي. كما أن هذه الشراكة أفرزت انقسامات جنوبية داخلية، إذ انشغل المجلس بصراعات جانبية مع مكونات جنوبية أخرى بدل العمل على بناء جبهة موحدة تقود مشروع الاستقلال.
ثالثًا: بين التكتيك والتنازل.
إن شراكة المجلس الانتقالي مع الاحتلال يمكن النظر إليها كـ تكتيك سياسي مشروع في لحظة من اللحظات، لكنها سرعان ما تحولت إلى تنازل استراتيجي عندما فقدت بوصلتها الوطنية.
فالتكتيك الناجح يجب أن يكون خادمًا للهدف، لا بديلاً عنه، بينما في حالة الانتقالي، أصبحت الشراكة غاية بحد ذاتها، تُدار وفق شروط الطرف الأقوى، لا وفق مصلحة الجنوب وقضيته التحررية.
خاتمة:
إن تقييم تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي لا يجب أن يكون من باب الخصومة أو التأييد، بل من زاوية المصلحة الوطنية الجنوبية العليا.
فالمجلس يمتلك رصيدًا نضاليًا كبيرًا لا يمكن إنكاره، لكنه يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما أن يعيد تصحيح مسار الشراكة لتكون في خدمة مشروع الاستقلال والتحرير، أو أن يظل غارقًا في مستنقع الواقعية السياسية وأسير للمصالح الشخصية الضيقة التي تحققت لطابور طويل من القيادات الجنوبية التي لم تعد قادرة على التخلي عن تلك المكاسب الشخصية التي تحققت لها خلال السنوات الماضية لصالح القضية الجنوبية التي أفرغت من مضمونها الحقيقي نتيجة سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي في الشرك الذي نصب له من قبل الشرعية التي فتحت له أبواب السلطة على مصراعيها حتى تشغله عن قضيته الرئيسية التي وجد من أجلها وفي سبيل انتصارها والمتمثلة بالقضية الجنوبية التي لم تعد اليوم حاضرة على المشهد السياسي الجنوبي بنفس وتيرتها السابقة وبنفس قوة حضورها الذي لا يضاهيه حضور في عموم الساحة الجنوبية التي أستحوذت عليها في يوم من الأيام دون منازع ودون منافس حقيقي يستطيع إزاحتها من مكانها الطبيعي الذي كانت تحتله في المشهد السياسي الجنوبي الذي لم تبارح القضية الجنوبية ساحته النضالية حتى جاء الانتقالي الجنوبي الذي وضع نفسه بديلا عنها وأتخذ منها جسر عبور إلى السلطة التي أضحت اليوم محل اهتمامه أكثر من اهتمامه بالقضية الجنوبية التي تراجع حظها في الحل بعد أن رجحت كفت ميزان الحل السياسي لصالح ( الشرعية والحوثيين ) الطرفين الشماليين المتصارعين اللذان حضيان بأهتمام المجتمع الدولي والإقليمي الذي يرى بأن تعطى الأولوية لحل الصراع القائم في اليمن سلما أو حربا بين ( الشرعية والحوثيين ) دون تحديد سقف زمني لحل هذا الصراع الذي يتمحور حول السلطة التي يدعي كل طرف أحقيته بها دون نظر أيا منهما إلى مصير القضية الجنوبية التي تم إدخالها في هذه المعمعة والتي ما كان لها أن تحدث لولا دخول المجلس الانتقالي الجنوبي في الشراكة التي انتقصت من القضية الجنوبية وأنتقصت منه أيضا خاصة بعد ما أصبح أحد المكونات السياسية التي تشكلت منها حكومة الشرعية التي تكونت من مجموعة أحزاب وتنظيمات يمنية وبنسبة مشاركة متفاوتة بينهم حيث حصل الانتقالي بموجب هذه الشراكة على أربع حقائب وزارية مما يدل بأن الشراكة التي قبل بها الانتقالي لم تقوم على المناصفة بحسب ما يروج لها إعلامه بل قامت على المحاصصة بين مختلف الأطياف السياسية والحزبية والتنظيمية في الجمهورية اليمنية والتي تمثل الوجه الآخر لسلطة الاحتلال التي بات الانتقالي الجنوبي جزء منها بغض النظر عن اللغة السياسية التي يتحدث بها وهي اللغة السياسية التي يحاول الانتقالي ان يبرر بها موقفه من دخوله هذه الشراكة التي قزمته وأظهرت مدى حرصه على البقاء في السلطة أكثر من حرصه على حمل راية القضية الجنوبية التي ليس لها موقع من إعراب سلطة الاحتلال التي تكن العداء السافر لها وتقف على النقيض منها وتتمنى لو انها تستطيع محوها من على الخارطة السياسية اليمنية وتفريغها من مضمونها التحرري.
وفي النهاية، تبقى القضية الجنوبية أكبر من أي مكون أو تحالف، فهي قضية شعب ناضل لعقود من أجل الحرية والكرامة، ولن يُكتب لها الانتصار إلا حين تعود البوصلة إلى هدفها الجوهري: استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
نبض ابين