بين آونة وأخرى، تبرز إلى السطح صورة مشوهة لمديرية أحور بمحافظة أبين، يرسمها من يختزلون هذه الأرض العظيمة في “قطاع طرق” أو حادثة عابرة، متناسين أن خلف غبار الطريق الساحلي تكمن مدينة ضاربة جذورها في التاريخ، وقلبٌ ينبض بالدين والثقافة والشهامة الفطرية. إن ما يُشاع عن أحور في منصات التواصل أحياناً لا يعدو كونه زبداً يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في أرضها الطيبة.
قبل أن يتحدث أي شخص عن أحور، عليه أن يقرأ تاريخها كواحدة من أهم حواضر العلم في الجنوب. فأحور لم تكن يوماً مجرد محطة عابرة للمسافرين، بل كانت وما زالت مديرية العلم والدين. هي مدرسة الوسطية والاعتدال التي احتضنت “الأربطة العلمية” التاريخية، وخرّجت كوكبة من العلماء والفقهاء والقضاة الذين نشروا نور العلم والمحبة في كل أصقاع الأرض. مجتمع أحور هو مجتمع مثقف بالفطرة، يحترم الكتاب، ويقدس الكلمة، ويؤمن بأن السلام هو الأساس الذي قامت عليه حياتهم لقرون طويلة.
وفي هذه الأيام، وبينما تشهد المنطقة تدفقاً كبيراً للسيول أدى إلى قطع الطريق الساحلي وتوقف حركة السير، تجلى الوجه الحقيقي لأهل أحور مرة أخرى؛ وهو وجه لا يراه إلا من عاش التجربة بقلبه. حين أصبح مئات المسافرين، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، عالقين بلا مأوى وسط الطرقات المقطوعة، لم تخرج أحور بـ “قطّاع طرق”، بل خرجت بـ “قطّاع ضيق” وفزعة عزّ نظيرها.
هبّ أهالي أحور، من كل حدب وصوب، بما ملكت أيديهم. رأينا المشاهد التي تثلج الصدور: الشباب يتسابقون لتوزيع الطعام والماء على المسافرين العالقين في سياراتهم، والآباء يفتحون أبواب بيوتهم ومجالسهم، محولين منازلهم الشخصية إلى نزلٍ عامة، يحتضنون الغريب كأنه واحد من أهل الدار، مقدمين له الأمان قبل الرغيف، والترحيب قبل المبيت.
إن هذه الفزعة ليست مجرد رد فعل عابر، بل هي انعكاس لمعدن أصيل وتربية دينية راسخة. أهل أحور هم أهل “المحبة” الذين يرفضون الظلم، وهم أهل “الثقافة” الذين يدركون أن إكرام الضيف وعابر السبيل هو أرقى أنواع الرقي الإنساني. إن الصورة النمطية التي تحاول تصويرهم كـ “متقطعين” هي كذبة كبرى تندثر أمام حقيقة أن أحور هي أكثر المدن أماناً لمن يعرفها، وأكثرها جوداً لمن حلّ ضيفاً عليها.
إن ما نراه اليوم في أحور من تكاتف شعبي لإغاثة المسافرين العالقين بسبب السيول هو “البيان الحقيقي” الذي يجب أن يُنشر. هي الرسالة الصادقة التي تقول للجميع: “هذه هي أحور.. أرض العلم، وموطن السكينة، ومنبع النخوة التي لا تنضب.”
يجب أن ينتهي زمن الظلم الإعلامي لهذه المديرية. أحور ليست طريقاً مخيفاً، بل هي حضن دافئ، ومدرسة فقهية، ومجتمع مدني يقدس السلام. فسلامٌ على أحور، وعلى علمائها، وعلى رجالها الذين يثبتون في كل شدة أن الكرم ليس مجرد طعام يُقدم، بل هو “أبواب تُفتح وقلوبٌ ترحب
هاشم شيخان السقاف
نبض ابين