بقلم: الأستاذ أحمد العبيد
في تطور خطير يعكس حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه سلطة بورتسودان، برزت قضية احتجاز عشرات الشاحنات التابعة لبرنامج الأغذية العالمي بمدينة الدبة باعتبارها واحدة من أخطر الانتهاكات المرتبطة بالحرب السودانية الجارية. فحين تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة ابتزاز سياسي، ويُستخدم الجوع كسلاح لمعاقبة المدنيين في مناطق النزاع، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلافات عسكرية أو سياسية ليصبح انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي ولكل القيم الإنسانية المتعارف عليها. إن احتجاز (160) شاحنة تحمل أكثر من ستة آلاف طن من المواد الإغاثية، كانت موجهة للمدنيين المتضررين، يؤكد أن هناك جهات داخل سلطة بورتسودان تتعامل مع الملف الإنساني بعقلية الحرب الشاملة، لا بعقلية الحكومة المسؤولة عن حماية مواطنيها.
إن ما جرى في الدبة يكشف بصورة واضحة طبيعة العقلية المسيطرة على مؤسسات القرار في بورتسودان، وهي عقلية ترى في الإغاثة الإنسانية ورقة ضغط سياسية وعسكرية، لا حقًا أصيلًا للمواطن السوداني. فالملايين من السودانيين اليوم يعيشون أوضاعًا كارثية بسبب النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، وكان يفترض أن تُفتح كل الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. لكن قيام الاستخبارات العسكرية ومفوضية العون الإنساني باحتجاز هذه القوافل يرسل رسالة خطيرة للمجتمع الدولي مفادها أن هناك من يسعى عمدًا إلى تعقيد الأزمة الإنسانية واستخدام معاناة المدنيين لتحقيق مكاسب سياسية. والأسوأ من ذلك أن هذا السلوك يهدد بفقدان الثقة الدولية في المؤسسات الرسمية التي يفترض بها تسهيل العمل الإنساني لا إعاقته.
كما أن هذه الحادثة تعيد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل مؤسسات السلطة والقرار العسكري، خاصة في ما يتعلق بإدارة الحرب والملفات الإنسانية. فبدلًا من السعي إلى بناء توافق وطني يخفف من معاناة الشعب السوداني، تتجه بعض الأطراف إلى تعميق الانقسام وفرض سياسة العقاب الجماعي على المناطق الخارجة عن سيطرتها. وهذه السياسات لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والكراهية وتوسيع رقعة الأزمة الإنسانية التي أصبحت بالفعل من أكبر الكوارث في المنطقة. إن أي سلطة تمنع الغذاء والدواء عن المدنيين تفقد تلقائيًا أي مبرر أخلاقي للحديث باسم الوطن أو الدفاع عن الدولة، لأن الدولة الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان لا محاصرته وتجويعه.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى موقف وطني مسؤول يعلو فوق الحسابات الأيديولوجية والصراعات العسكرية، ويضع معاناة المواطنين في مقدمة الأولويات. فاستمرار احتجاز المساعدات الإنسانية لن يضر بالخصوم السياسيين بقدر ما سيدفع الأبرياء ثمنًا باهظًا من حياتهم وأمنهم الغذائي. ومن هنا فإن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية مطالبون بممارسة ضغوط حقيقية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون تدخلات سياسية أو عسكرية، كما أن القوى الوطنية مطالبة برفض استخدام الغذاء كسلاح في الصراع السوداني. فالحروب مهما اشتدت تبقى لها حدود، وأخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة هو تحويل الجوع إلى أداة للهيمنة السياسية، لأن ذلك يمثل سقوطًا كاملاً في امتحان الإنسانية والتاريخ.
نبض ابين