الثلاثاء , يونيو 30 2026

مسيرة العقل العلمي: دراسة وثائقية في نشأة العلم وتطوره وعلاقته بالزمن والفكر والعقيدةبقلم: أحمد سعيد العموديباحث أكاديمي

إن العلم ليس حادثة عارضة في تاريخ البشر، بل هو المحرك الخفي الذي يرفع أمماً إلى السماء، ويسقط أمماً أخرى في قاع التخلف. من بابل إلى بغداد، ومن بغداد إلى لندن، ومن لندن إلى كاليفورنيا، كانت الشعلة العلمية تنتقل كالسراج من يد إلى يد. فمتى اشتعلت أنارت الدنيا، ومتى انطفأت ساد الظلام.

هذا المقال خلاصة بحث أكاديمي وثائقي طويل، يرصد مسيرة العقل العلمي عبر ثمانية فصول. هو محاولة لفهم اللغز الأكبر: لماذا يزدهر العلم هنا ويموت هناك؟ ولماذا كنا في المقدمة فصرنا في المؤخرة؟ وكيف نعود؟

الفصل الأول: المدخل الإشكالي، أسئلة العلم الكبرى

يبدأ البحث بخمسة أسئلة تحدد مصير الحضارات.

سؤال الماهية: ما العلم حقاً؟ هل هو حقائق نهائية أم عملية بحث لا تنتهي؟ العلم ليس مجرد ملاحظة، فلو كان كذلك لكان كل راع يراقب النجوم عالم فلك. العلم منهج وطريقة تفكير ومنظومة قيم.

سؤال النشأة: هل بدأ العلم مع نيوتن؟ كلا. هو تراكم بدأ عند البابليين، ومر بالإغريق، وازدهر في بغداد وقرطبة، ثم انفجر في أوروبا. كوبرنيكوس لم يهبط من السماء، بل وقف على أكتاف ابن الشاطر والبيروني.

سؤال الغاية: هل العلم لذاته أم للسيطرة على الطبيعة؟ وهنا يبرز التوتر الأخلاقي. العلم نفسه ينتج الدواء وينتج القنبلة. فمن يحدد الغاية ومن يضع الضوابط؟

سؤال الجغرافيا: لماذا هنا لا هناك؟ لماذا مات العلم في الإسكندرية ثم في بغداد ثم انبعث في لندن؟ الصين سبقت أوروبا ألف سنة، والمسلمون سبقوا خمسمئة سنة، فلماذا السبق كان للغرب في النهاية؟

سؤال التراجع: لماذا خبت جذوة العلم في الشرق بعد ابن الهيثم والبيروني والخوارزمي؟ هل السبب ديني أم سياسي أم اقتصادي أم مؤسسي؟

هذه الأسئلة هي بوصلة البحث كله.

الفصل الثاني: إشكالية التعريف، العلم مفهوم متحول

لو سألت عشرة أشخاص عن العلم سمعت عشرة تعريفات. لأن العلم كائن حي يتغير.

عند أرسطو كان العلم برهاناً عقلياً يحتقر التجربة. عند المسلمين صار اعتقاداً جازماً عن دليل، فدخلت التجربة في صلبه. عند نيوتن صار منهجاً تجريبياً رياضياً يقيس ويحسب.

وهناك خطأ أخطر، وهو الخلط اللغوي. كلمة العلم في العربية مشبعة بمعنى علوم الشريعة، بينما Science في الغرب تعني الفيزياء والكيمياء. فظن العربي أن الفقه هو العلم، وظن الغربي أن الفقه علم تجريبي. فانفصلت علوم الدين عن علوم الدنيا في عقلنا.

والتعريف الإجرائي الذي نقترحه هو: العلم نشاط إنساني منهجي يقوده الفضول العقلاني، يرصد بدقة ويفسر بعلل، ويبني قوانين قابلة للاختبار والتكذيب، بهدف فهم الواقع والتحكم فيه بما يحقق خير الإنسان وكرامته.

الفصل الثالث: البعد التاريخي، تراكم عابر للحضارات

يجب هدم الرواية الأوروبية المركزية التي تقول إن العلم بدأ بالإغريق ثم توقف ثم عاد مع نيوتن. الحقيقة أن العلم شعلة انتقلت من سومر إلى الإسكندرية إلى بغداد إلى قرطبة إلى لندن.

النموذج القديم قبل 1543 كان ائتلافاً بين فيزياء أرسطو وفلك بطليموس وسلطة الكنيسة. لكن المسلمين هم أول من شك فيه. ابن الهيثم كتب الشكوك على بطليموس. الطوسي اخترع مزدوجة الطوسي. ابن الشاطر بنى نموذجاً مطابقاً لكوبرنيكوس قبل كوبرنيكوس بقرنين.

ثم جاءت القفزة الغربية. كوبرنيكوس قلب المركز. كبلر اكتشف القطوع الناقصة. نيوتن صاغ قانون الجاذبية فوحد السماء والأرض بقانون واحد. وبعد مئتي سنة جاء أينشتاين فهدم الزمان والمكان، وميكانيكا الكم فهدمت الحتمية.

والسر كان في ثلاثة محركات: سلاح الرياضيات، وصعود البرجوازية الممولة، وتأسيس الجمعيات العلمية المستقلة. ولا ننسى ذهب المستعمرات الذي مول مختبرات لندن.

الفصل الرابع: البعد الفلسفي، من التأسيس إلى التقويض

العلم ولد من رحم الفلسفة. نيوتن سمى كتابه أصول الفلسفة الطبيعية. أينشتاين قرأ سبينوزا قبل النسبية.

الوضعية المنطقية قالت الفلسفة خادمة للعلم. والعقلانية قالت العلم قائم على افتراضات فلسفية لا تثبتها التجربة. والحقيقة أن الفلسفة تسأل عن الكل والمعنى، والعلم يحفر في الجزء القابل للقياس.

وأهم تحول كان الانتقال من أرسطو إلى أفلاطون. أرسطو هيمن بالكيف والوصف اللغوي. أفلاطون أعاد الرياضيات فقال إن كتاب الطبيعة مكتوب بحروف هندسية. من هنا ولد العلم الكمي الذي يقول 9.8 متر لا الثقيل يسقط أسرع.

واليوم نعيش من اليقين إلى الاحتمال. بوبر قال العلم لا يثبت بل يكذب. وكون قال العلم ثورات لا تراكم هادئ. فصار العلم متواضعاً يقول هذه أفضل نظرية الآن حتى يأتي من يهدمها.

الفصل الخامس: البعد الاجتماعي، تربة العلم

العالم ليس عبقرياً منعزلاً. نيوتن ظهر في إنجلترا مستقرة بعد حرب أهلية، في زمن برجوازية تاجرة، وجمعية ملكية مستقلة، وذهب مستعمرات.

المعادلة الإنجليزية كانت: استقرار سياسي زائد برجوازية ممولة زائد مؤسسات حرة زائد ثورة صناعية يساوي انفجاراً علمياً.

والمؤرخون يثبتون أن فائض قيمة الهند والكاريبي وتجارة الرقيق مولت مختبرات الغرب. العالم الإنجليزي لم يكن أذكى من ابن سينا، بل كان يملك عينات العالم كله على مكتبه.

والركائز الخمس لأي بيئة علمية هي: استقلالية المؤسسة عن السلطة، وحرية النقد بلا خوف، وقيمة اجتماعية ومالية للعالم، وربط العلم بالاقتصاد، ولغة علمية حية.

أما بيئتنا اليوم فتفتقد الأربع. الجامعة تابعة، والنشر مخوف، والعالم مهمش، والبحث مفصول عن المصنع، واللغة العلمية ميتة. فكانت النتيجة هجرة العقول.

الفصل السادس: البعد الديني، من المحاكمة إلى التكامل

قضية جاليليو 1633 كانت الجرح الذي لم يندمل. الكنيسة حاكمت لأنه قال الأرض تدور، لأن هذا يهدم مركزية الإنسان في الكون. لكن الخطأ كان خلط المجالات. الدين ليس كتاب فيزياء، والعلم ليس كتاب أخلاق.

أما الحضارة الإسلامية فقدمت نموذج التكامل. ابن الهيثم كان صوفياً زاهداً وأبا المنهج التجريبي. نيوتن كتب في اللاهوت أكثر من الفيزياء. أينشتاين قال العلم بلا دين أعرج والدين بلا علم أعمى.

وتراجعنا لم يكن بسبب الدين وحده. كان بسبب غزو المغول، وخضوع العلم للسلطة، وتحول طرق التجارة، وتجمد المناهج.

والحل في ثلاث قواعد: تخصص كل في مجاله، وقراءة مزدوجة لكتاب القرآن وكتاب الكون، وجعل الأخلاق بوصلة للعلم حتى لا يتحول إلى وحش.

الفصل السابع: الجغرافيا السياسية للعلم

توبي هاف سأل السؤال الأخطر: لماذا أوروبا فقط؟ والجواب كان اختراع الشخصية الاعتبارية. الجامعة في أوروبا صارت كياناً مستقلاً لا يملك الملك فصله ولا مصادرة ماله. فكانت منطقة آمنة للعقل.

أما عندنا فخضع العلم للسلطة الدينية والسياسية. فمن قال أخطأ أرسطو عزل أو سجن. وأغلق باب الاجتهاد وقدم النقل على العقل. وتحولت المدارس إلى فقه فقط بلا مراصد ولا مختبرات.

والصين رغم سبقها لم تنهض لأن نظام الامتحان مجد الشعر واحتقر الهندسة، ولأن الفكر الصيني أنكر قانون الطبيعة الثابت، ولأن الدولة المركزية القوية قمعت أي اختراع يهددها.

فشروط انفجار العلم ثلاثة: استقلال مؤسسي كامل، ومنهج تجريبي رياضي سائد، وإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة.

الفصل الثامن: آليات اشتغال العلم

العلم ليس آلة استقراء باردة. هو فن ومغامرة. كون قال العلم فترتان: علم عادي يحل ألغازاً داخل النموذج، ثم ثورة تهدم النموذج كله. نيوتن هدم أرسطو، وأينشتاين هدم نيوتن.

والعالم الحقي يبدأ بالحدس لا بالبيانات. نيوتن حلم بالجاذبية، وككولي حلم بالبنزين، وأينشتاين تخيل أنه يركب شعاع ضوء. ثم يأتي الاستقراء والاختبار ليحكم على الحدس.

والعلم اليوم لغة رموز معقدة لا يفهمها إلا المتخصص. وهو لا يدعي الحقيقة المطلقة، بل يقدم مقاربات متعاقبة تقترب من الواقع.

الخاتمة: دروس بماء الذهب

مسيرة العقل العلمي تعلمنا ثلاث حقائق.

الأولى أن العلم تراكم إنساني مشترك لا براءة اختراع لأحد. نيوتن نفسه قال إني أرى بعيداً لأني أقف على أكتاف عمالقة من بغداد وقرطبة.

الثانية أن العلم يموت حين يخضع للسلطة ويحيا حين يستقل. والجامعة المستقلة أغلى من الجهاز بمليار.

الثة أن العلم بلا فلسفة أعمى، وبلا دين أعرج، وبلا مؤسسة ميت.

والسؤال الذي نترك به القارئ هو: هل نريد علماً؟ إذن فلنبن التربة قبل البذرة. لنحرر العالم قبل أن نطلب منه الاختراع. ولنجعل شعارنا نعرف كما عرف الأجداد، ونعلم كما علم ابن الهيثم.

فالعلم سراج، والمعرفة زيته، والمؤسسة الحرة هي القنديل الذي يحميه من الريح.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.

أحمد سعيد العمودي
باحث أكاديمي مُفكر يمني

عن ahmed

شاهد أيضاً

الميسري يلتقي بالفريق الركن فهد السلمان قائد القوات المشتركة بالتحالف العربي

التقى المهندس أحمد بن أحمد الميسري، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق، رئيس اللجنة …

عدن / محاضرة توعوية لتعزيز التيقظ والسلامة الدوائية

كتب / نور صمد -عبد الرؤوف نعمان نظمت الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية ممثلة بالمركز …

​بيان غاضب من أسرة الفريق الركن فيصل رجب: نموت كالأشجار واقفين والشائعات الرخيصة لن تنال من جبل أبين العاصي

أبين _ خاص ​نفت أسرة القائد العسكري الجسور الفريق الركن فيصل رجب جملة وتفصيلا عبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *