تقرير : عبدالقادر زايد
من بين أروقة عدن العتيقة، ومن وسط الأفق اليمني المليء بالتحديات، ينبثق الشاعر الشاب أسامة المحوري نجمًا يُنير فضاء الشعر العربي، لا ليخطف الأنظار فحسب، بل ليحفر أثراً في الوجدان، ويزرع بذور الحلم في تربة الواقع القاسي، بأسلوبه الفريد، وعمقه الوجودي، وحضوره المتقد. يمثل المحوري صورة معاصرة للشاعر الثائر، الذي يتجاوز حدود الأرض والجغرافيا، ليخاطب إنسانية الإنسان، وأحلامه الكونية.
ولادة القصيدة ومسيرة الشاعر:
يأتي أسامة المحوري من عمق التراث اليمني، كرمز للموروث الممتد والروح المتجددة. من بين أزقة عدن وسحرها التاريخي، استلهم أسامة أشعاره التي تتحدث بلغة الأرض، وتستوعب الحلم، وتحكي قصص المعاناة والشجاعة في آن واحد، فهو شاعر لا يسعى إلى الشهرة، بل يتخطاها ليبحث عن معنى أعمق، عن رسائل صامتة ينقلها من خلال قصائد تمزج بين العراقة والتجديد، بين الإنسان والمكان.
لا تُقاس مسيرة أسامة بعدد الجوائز والمشاركات فقط، بل بقدرته على توظيف الشعر كنافذة تطل على عالم أكبر، تخاطب آمال الناس وتطلعاتهم في وطن ينشد السلام، وقد حمل كلماته إلى أفق عربي وعالمي، حيث نشرت أعماله في مجلات عربية كبرى، واحتفى به النقاد في مهرجانات أدبية كبرى، مشيدين بروح شعره وقوة عباراته.
ملهم الجيل الشاب:
تتجاوز قصائد أسامة المحوري حدود الزمن، لتصبح مصدر إلهام لجيل جديد من الشعراء الشباب في اليمن والعالم العربي، فهو يرى أن الشعر ليس مسابقة عابرة، بل رسالة تتناغم مع حياة الناس وآمالهم، بكلماته، وشغفه، وموهبته، يتحول المحوري إلى شخصية تُعبر عن ثقافة اليمن وأحلام الشباب العربي، حيث يظل طيفه الشعري حاضراً ومتجدداً، بعيداً عن قيود المسابقات أو جوائز تُحصى وتنتهي.
بمهارات لغوية مذهلة، وجمل تتدفق ببلاغة تلامس الروح، وبأدوات شعرية متمكنة، يطل المحوري في الأمسيات الشعرية؛ فيجذب الحاضرين بروحه الحرة وكلماته التي تنبض بالمحبة والعزيمة، بأسلوب يُحاكي بردة اليمني الكبير عبدالله البردوني، إلا أنه ينأى بنفسه عن التشبه بأحد، قائلاً في أحد لقاءاته الإذاعية: “نحن نحاول أن نتشبث بجذع الشعر لا بغصونه”.
الفلسفة العميقة وراء إبداعه:
يرى أسامة المحوري في الشعر ما هو أبعد من الكلمة؛ إنه الفضاء اللامتناهي الذي يربط الذات بالوجود، والأمل بالحقيقة، والحب بالموت، في رحلة تتشكل فيها معاني الإنسانية المتجددة؛ إذ يمتاز شعره بنظرة فلسفية تتعمق في الروح البشرية، وتطرح الأسئلة عن الحياة والمصير، بين حب الأرض وشغف الانتماء. يقول المحوري في إحدى قصائده: “الشعر هو ذلك الشغف الذي يدفع بالإنسان إلى حضن الكون، حتى يصبح جزءاً من نبضه”.
يرى أسامة المحوري في الشعر وسيلة للتغيير الاجتماعي والفكري وإثارة الأسئلة الوجودية. وبينما يشهد العالم العربي أزمات متتالية، لا يغيب الشاعر عن دوره تجاه قضايا أمته، بل يُعد صوتاً شعرياً حراً يُجسد الطموحات ويعكس الهموم، حيث يسخر كلماته لخلق حالة من الوعي والحث على السلام، كما يفصح عن نظرته الشمولية للحياة بأسلوب شعري ممتع ومتفرد، مؤمنًا بأن الشاعر لا بد أن يكون صوتاً لمجتمعه، معبراً عن آماله وآلامه، وتطلعاته نحو مستقبل أفضل. وتبدو قدرته على التقاط نبض الشارع والشعور الجمعي في قصائد تتناول بأسلوب بسيط وعميق قضايا الحرية، العدالة، والتعايش.
الشعر بين الأصالة والتجديد:
بأسلوب يقدّر الأصالة وينتقد الجمود، يستلهم المحوري من تراث الشعر العربي روحاً حية، يتشرب من بردة البردوني عبق الأصالة، ولكن دون أن يُقلد أو يستنسخ. فهو يسعى إلى “التشبث بجذع الشعر لا بغصونه”، حد وصفه؛ فيحافظ على التقاليد الإيقاعية، لكنه يضفي عليها بُعداً معاصراً يجعلها ملائمة للواقع الحالي. يبتكر دون أن ينفصل عن ماضيه، ويمتزج عمق اللغة مع حداثة الصورة، حتى يتجاوز الشاعر الحاضر ليصل إلى الأبدية في رسالته.
في وقت يعتقد كثيرون بضرورة التحلل من القافية، يقول المحوري بعبارة تتسم بالحكمة: “حين يتمرد النهر على مجراه، والنجم على مداره، يمكن للقصيدة أن تتمرد على إيقاعها” يعبر بذلك عن التوازن بين الحرية والتقيد، بين الأصالة والإبداع.
الشعر كرسالة كونية، وخطاب روحي للأجيال الجديدة:
بالنسبة لأسامة المحوري، الشعر ليس محض ترف أدبي أو زينة لغوية؛ إنه مسؤولية تجاه الإنسانية، تجاه وطنه المثخن بالجراح، وتجاه الأجيال التي تبحث عن معنى للحياة في خضم الفوضى والتشظي والسيولة، والاغتراب الروحي المريع، فهو يقول في واحد من حواراته الثرية: “أن تكون شاعراً يعني أن تحمل العالم في قلبك، أن تكون دمعة في عين حزين، وبسمة في شفاه سعيد” تتردد كلماته في صدور الشباب كمصدر إلهام تقوي الروح، وتدفع إلى التغيير، وتحث على النظر إلى الشعر كجسر نحو مجتمع أعدل وأكثر إنسانية.
خيط أمل في لحظة قنوط:
في زمن تكثر فيه التحديات والحروب، يحمل المحوري صوتاً شعرياً يمنح الناس شعوراً بالسلام والأمل، فهو يجسد، في نظر الكثيرين، بارقة أمل، وصوتاً ينبض بالحياة والوطنية، كما يحمل بين طيات كلماته أحلام اليمنيين، ورمزية أرضه الحبيبة، ويذكر دائماً بأن القصيدة يمكن أن تكون وسيلة لنشر السلام، مثلما لديها المقدرة ذاتها على أن تغدو سبباً في إيقاد فتيل حرب.
ورغم أنه ابن الجيل الشاب، إلا أن المحوري يحمل وعياً عميقاً بما يمر به الوطن العربي من أزمات، وهو لا يخفي أسفه من دور المثقف العربي المتراجع، مؤكداً أن “المثقفين هم ملح الأوطان” معبراً عن أسفه بأن المثقفين، الذين يُفترض أن يكونوا قادة التنوير، قد تبنّى بعضهم شعار “للبيت رب يحميه”.
سئل المحوري يوماً في إحدى مقابلاته، عن ثنائية الحرب والسلام، ودور الشعر في كل منهما، فأجاب، ليس بروح الشاعر الوثابة لتطويع المتعذر والممتنع، بل وببداهة الفيلسوف، بداهة بسيطة لكنها تواري بداخلها حكمة بالغة، قائلاً: “الدماء التي سالت بالحرب ستتوقف بالحب، وإن كان للكلمة قدرتها على إشعال الحرب، فلها قدرتها على إيقاد السلام”
سفر روحي متجاوز، ورحلة إنسانية لا تتوقف:
القصيدة عند أسامة المحوري رحلة إنسانية- إبداعية لا تتوقف، ويرى في القصيدة سفرا روحيا لا يكتب له الوصول إلا متى ظلت القصيدة تغتسل من نهر اللغة عند كل صباح تشرق فيه الشمس، وتضخ في عناصرها دماءً جديدة عند كل لحظة أوشك فيها نبضها أن يخفت. وبكل وثبة إلى الأمام تحققها القصيدة لابد أن تسبقها دفقة روحية وفكرية مركزة؛ وذلك هو مصدر الإيمان الراسخ لدى الشاعر المحوري بالنسبة إلى الشعر بوصفه اشتغال إنساني نبيل ومتفرد.
المحوري يرى في كل قصيدة ميلاداً جديداً وانطلاقة نحو آفاق أوسع، ورغم ما حققه من جوائز وشهرة، يظل صوته شامخاً، غير مرتهن لأي لقب أو تتويج. يقول: “القصيدة ليست نقطة نهاية، بل بوابة جديدة نحو عالم آخر من الفكر والمشاعر”، فالشعر عنده ينبض، ويجدده كل يوم بمعاني أعمق، تاركاً بذلك إرثاً من العبارات التي تظل محفورة في الذاكرة.
أيقونة شعرية وحلم يتجدد:
يبقى أسامة المحوري اليوم أحد أعلام الجيل الجديد من الشعراء العرب، شاعراً يُحيي مجد الكلمة، ويعيد إليها إشراقها في زمن قلّت فيه الأصوات المبدعة. بكلماته ولغته السامية، يغدو المحوري رمزاً للشباب الطامح، وأيقونة تعبر عن هوية الإنسان العربي الذي يترنم بالحب، وينشد الخير، ويدعو للحياة.
نبض ابين