كتب- منصور زيد
إن قضية الجنوب وحق شعبه في استعادة دولته ليست قضية عبثيه أو مشروعًا سياسيًا قائمًا على أوهام أو شعارات، بل هي قضية وطن وهوية وأرض وإنسان، ترتبط بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله وصون إرادته الوطنية. وهي قضية تستند إلى واقع سياسي وتاريخي وشعبي تشكّل عبر عقود من النضال والتضحيات والتمسك بالحقوق الوطنية، وقد قُدِّمت في سبيلها تضحيات جسيمة من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
وتستند القضية الجنوبية سياسيًا وقانونيًا إلى المرجعيات والقرارات الدولية الصادرة عقب حرب عام 1994م، وفي مقدمتها قرارا مجلس الأمن الدولي رقم 924 ورقم 931، اللذان أكدا ضرورة وقف الحرب واللجوء إلى الحوار ومعالجة أسباب الصراع بالوسائل السلمية. وقد ظلت هذه القرارات تمثل جزءًا من الإطار الدولي المرتبط بالقضية الجنوبية ومسار البحث عن حلول عادلة ومستدامة لها.
كما تستند القضية الجنوبية إلى الإرادة الشعبية لشعب الجنوب، التي عبّر عنها على مدى أكثر من ثلاثة عقود من النضال السياسي والسلمي، وتمسكه بحقوقه الوطنية وتطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة وتقرير مصيره ومستقبله السياسي. وقد جاءت الخطوات السياسية والشعبية والمقاومة التي اتخذها الجنوبيون في هذا السياق، باعتبارها امتدادًا لمسار نضالي طويل يهدف إلى تحقيق تطلعاتهم الوطنية.
ومنذ عام 2015م، كان الجنوبيون شريكًا رئيسيًا في التحالف العربي، وأسهموا سياسيًا وعسكريًا في مواجهة المشروع الحوثي والتنظيمات الإرهابية، وقدموا تضحيات كبيرة كان لها دور بارز في تحقيق العديد من الانتصارات وتعزيز الأمن والاستقرار. علاوة على الشراكة السياسيه وفق اتفاق ومشاورات الرياض …ومن هنا يبرز التساؤل حول محاولات تجاهل هذه التضحيات أو التقليل من مكانة القضية الجنوبية، والسعي إلى إخضاع شعب الجنوب للتنازل عن حقه الوطني في استعادة دولته، رغم ما قدمه من تضحيات وشراكات أثبتت حضوره ودوره في مختلف المراحل.
وياتي ذلك ايضا في ضل تجاهل وعدم التمسك بالقرارات التي صدرت بشأن الانقلاب الحوثي على الدولة ومؤسساتها الشرعية قرارات دولية واضحة وملزمة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي أكد شرعية مؤسسات الدولة وطالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم السلاح والامتثال للمرجعيات المتفق عليها، إلا أن هذه القرارات لا تزال حتى اليوم دون تنفيذ كامل.
وتبرز هنا مفارقة سياسية لافتة؛ إذ إن الانقلاب الذي استهدف الدولة والوحدة والجمهورية بقوة السلاح أصبح طرفًا حاضرًا في العديد من المسارات السياسية والمفاوضات، في حين لا تزال قضايا وطنية أخرى، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، تنتظر معالجة عادلة ومنصفة تستند إلى إرادة الشعوب والمرجعيات الدولية ذات الصلة.
إن احترام الشرعية الدولية يجب أن يكون مبدأً ثابتًا وغير انتقائي، وأن يشمل تنفيذ مختلف القرارات والالتزامات الدولية بما يحقق السلام والاستقرار والعدالة للجميع. فالتعامل الانتقائي مع القرارات الدولية أو تجاهل إرادة الشعوب وحقوقها المشروعة لا يؤدي إلى حلول مستدامة، بل يكرّس أسباب الصراع ويؤسس لمزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، كان الأجدر بالحكومات اليمنية المتعاقبة أن تعمل على تفعيل وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بمختلف القضايا والصراعات، وأن تطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن بالوفاء بمسؤولياتهما تجاه تحقيق السلام العادل ومعالجة جذور الأزمات، بما يضمن احترام حقوق الشعوب وحقوقها المشروعة، ويؤسس لاستقرار دائم ومستدام في المنطقة.
منصور زيد
نبض ابين