عبدالله عيسى بن عاطف.
الجنوب اليوم يقف على فوهة بركان لا يصنعه أبناؤه بل تُشعل فتيله أيدٍ من خارج حدوده. ما يجري في مسقط والرياض ليس سلاماً يُطبخ على نار هادئة، بل هو توافق قذر لإعادة إنتاج الحرب بثوب جديد.
التحضيرات بدأت بصمت، الحشود تتحرك تحت جنح الليل، والمليشيات الحوثية تُسحب من جبهات الشمال لتُرمى على تخوم أبين وشبوة، والضالع ويافع، بينما ترتب الشرعية صفوفها في حضرموت والمهرة بتمويل وسلاح سعودي ليس لمواجهة الحوثي بل لتطويق عدن والمجلس الانتقالي.
اتفاق مسقط لم يكشف عن بنوده العسكرية والاقتصادية لسبب بسيط، لأن ما يُخبأ أخطر مما يُعلن، والحديث عن ترتيبات أمنية ليس إلا عنواناً لخطة سحب سلاح الجنوب وتسليم مدنه على طبق من ذهب.
السعودية التي ترفع شعار الوحدة تعيد اليوم إنتاج مشروع 1994، لكن بعباءة اتحادية جديدة، ووحدة بالقوة لا بالرضا، ووحدة هدفها إلغاء هوية الجنوب وإعادته إلى حضيرة الشمال تحت وهم الدولة.
في المقابل الحوثي يحلم بمنفذ على البحر ويريد موانئ الجنوب ونفطه، والمشاريع السعودية في البنية التحتية ليست تنموية بل خطوط إمداد ونفوذ وربط الجنوب باقتصاد الشمال حتى الاختناق.
قبل أن تبدأ المدافع، بدأت حرب التجويع، الرواتب مقطوعة والخدمات منهار والكهرباء تطفأ عمداً لكسر الصمود الشعبي، وخلايا نائمة تُفجر وقيادات جنوبية تُصفى لتهيئة المسرح، وإعلام يصور الانتقالي كميليشيا انفصالية لشرعنة أي اجتياح قادم.
الصمت الدولي هنا مقصود، لا أحد يدين الحشود ولا أحد يضغط على العابثين، وكأن العالم ينتظر شرارة البدء ليقول بعدها إنها حرب أهلية.
لكن الحسابات اختلفت، فالجنوب الذي اجتُيح في 1994 لم يعد جنوب الأمس، الأرض محروقة والذاكرة لا تنسى والشعب جاهز سياسياً وميدانياً وشعبياً لرفض أي اتفاق يُمرر فوق دماء الشهداء.
من يظن أن تسليم الجنوب ممكن باتفاق سري أو حرب خاطفة فهو واهم، لأن البائع والمشتري هذه المرة سيدفنان معاًفي رمال الجنوب، والميدان وحده هو من سيكتب النهاية.
نبض ابين