الأحد , يونيو 21 2026

الحييد في المقدمة وأبناء أبين خلفه.. المليونية التي أسقطت الوصاية السعودية.

عبدالله عيسى بن عاطف.

حضر أبناء أبين اليوم إلى عدن كما لم يحضروا من قبل. نزلوا من جبال لودر ووديان مودية وسواحل أحور وشقرة، من زنجبار وخنفر ومديريات يافع.
، تركوا بيوتهم وقراهم وساروا كأن أبين كلها خلعت رداء الصبر وقررت أن تمشي على قدمين إلى ساحة العروض في عدن. لم يأتوا كأرقام في كشف حشد، ولا كديكور في مشهد سياسي مؤقت، بل كضمير حي لأبين، كأصحاب الدم الذي روى تراب المحافظة دفاعاً عن كرامة لا تُقايض وأرض لا تُرهن وقرار لا يُستورد. وفي مقدمة هذا الزحف كان الحييد، رئيس الانتقالي في أبين، القائد الذي لا يخرج من القصور ولا يظهر في البيانات، بل يخرج من بين رجاله في الميدان، من الغبار والرصاص والصمود، فيحمل على كتفيه ثقة أبناء أبين لأنهم رأوه حين هرب الآخرون، وسمعوه حين صمتت الأبواق، وعرفوه لأنه لم يبدل موقفه بتغير الريح.

أبين ليست محافظة عابرة في خارطة الجنوب، أبين هي الجبهة الأولى التي تحطمت عندها كل مشاريع الاجتياح والتبعية، هي الأرض التي من دكّة إلى شقرة مرت فيها قوافل الشهداء، ومن مودية خرجت وصايا الدم التي لا تسقط بالتقادم. واليوم يقف أبناء أبين في عاصمة الجنوب ليقولوا للعالم إن هذه الدماء لم تُسفك لكي نُسلّم مفاتيح أرضنا إلى وصي جديد حتى لو كان جاراً كبيراً، وإن تضحياتهم ليست فاتورة تُدفع مقابل إملاءات سياسية. جاؤوا إلى عدن ليعلنوا أن الجنوب واحد، وأن القرار الجنوبي لا يتجزأ، وأن صوت أبين حاضر في قلب العاصمة وبقوة.

وفي ساحة العروض لم يكن الحضور احتجاجاً فقط، بل كان بيعة ميدانية. أبين تجدد العهد للرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعلن أن ظهره هو ظهر أبين، وأن قراره هو قرارها، وأن الطريق الذي اختاره هو طريقها. أبين تقولها بصوت واحد: نحن مع قيادتنا، مع عيدروس، ولن نسمح أن يُلتف على تمثيل الجنوب أو يُفرض علينا وصي من الخارج.

رفض أبناء أبين للوصاية ليس عداءً لأحد، ولا قطيعة مع الجار، فهم يعرفون قدر السعودية ويحترمون الجوار، لكنهم يرفضون منطق الولي والأمر، يرفضون أن تُدار شؤونهم من غرف بعيدة، يرفضون أن تُعين لهم القيادات وتُربط لقمة عيشهم بشروط لا تمت لإرادتهم بصلة. أبين تريد شراكة بين دولتين، بين شعبين، بين مصالح متبادلة تُبنى على الاحترام، لأنها كما تحرص على سيادة غيرها تحرص على سيادتها، وكما ترفض أن يُملى على غيرها ترفض أن يُملى عليها.

وها هي الرسالة تخرج اليوم من ساحة العروض في عدن بلسان أبناء أبين وقيادة الحييد إلى الرياض وإلى كل العواصم: نحن مع من يحترم إرادتنا، شعبنا الجنوبي.
وضد من يستبدل الاحتلال الأجنبي بوصاية إقليمية، نحن مع الشراكة الندية لا التبعية المقنعة، ومن أراد الجنوب شريكة بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي
فأهلاً وسهلاً،

مليونية عدن اليوم ليست هتافاً ينتهي بفض الساحة، هي إعلان أن الشارع الجنوبي انتقل من مرحلة نرفض إلى مرحلة نمنع، نمنع أي قرار يُفرض من الخارج، نمنع أي مشروع يُختزل فيه الجنوب إلى حصة أو منطقة نفوذ، نمنع أي وصاية تُلبس لباس الأخوة. هذا هو المنحدر الجديد الذي بدأ من أبين ووصل إلى عدن، ومنحدر لا عودة منه، لأن الذين حضروا اليوم هم أمهات الشهداء بصور أبنائهن، وهم أبناء الجبهات بصدورهم لا بسلاحهم، وهم شيوخ القبائل بكلمتهم التي تُسمع، وهم شباب الجامعات بغضبهم الهادئ الذي سيتحول إلى فعل.

أبين اليوم تكتب التاريخ بيدها في عدن لا لتقرأه في نشرات الآخرين، وأبين تعلنها بلا مواربة أن الجنوب خط أحمر، وأن أبين بقيادة الحييد هي الحارس الأول لهذا الخط. الجنوب لا يُوهب، الجنوب يُنتزع، وأبناء أبين بقيادة الحييد انتزعوا كلمتهم اليوم في عدن ولن يتراجعوا عنها قيد أنملة، لأن من دفع الثمن بدمه لا يبيع قراره برغيف، ومن عرف طريق الجبهات لا يعود إلى طريق الوصاية.

عن ahmed

شاهد أيضاً

بين فواجع الواقع وأعباء المعيشة.. إلى أين يُقاد الوطن؟

بقلم: نجيب الداعري نستقبل كل يوم جديد على وقع حادثة مؤلمة أو خبر مفجع؛ هذا …

المقدم النقيب يعزًي في وفاة المغفور له صامد سيف صالح

يتقدم المقدم / رعد فضل النقيب، ركن القوى البشرية للواء الثالث دعم وإسناد، بخالص العزاء …

الجنوب العربي من الاستعمار البريطاني إلى وصاية الجوار متى ينتهي الاحتلال؟

كتب: منصور البيجر الكازمي إلى متى تظل حضرموت رهينة بيد قوى الوصاية تُنهب ثرواتها قصراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *