عدن ـ نائلة هاشم
كان هناك زمن تقاس فيه قيمة الإنسان بأخلاقه، لا بما يملك، ولا بما يظهره للناس. كان الصدق عنوانا، والأمانة عهدا، والوفاء خلقا لا يتغير بتغير المصالح، والضمير حيّا لا ينام مهما اشتدت المغريات.
تربينا على أن الكلمة أمانة، وأن الوعد دين، وأن احترام الناس واجب، وأن الخير يعود إلى صاحبه ولو بعد حين. لم تكن تلك القيم شعارات ترفع، بل كانت أسلوب حياة صنع رجالا ونساء تركوا أثرا طيبا في كل مكان مروا به.
أما اليوم، فقد غير العالم الافتراضي كثيرا من المفاهيم. أصبح البعض يرتدي الأخلاق كما ترتدى الملابس، يخلعها متى تعارضت مع مصلحته، ويلبس قناع الصدق حتى يبلغ غايته، فإذا انتهت حاجته سقط القناع، وظهر الوجه الحقيقي. ومع ذلك، لا يزال هناك أناس يتمسكون بمبادئهم، يحفظون الأمانة، و يصدقون في القول والعمل، لأنهم أدركوا أن الأخلاق لا ترتبط بزمن، بل بالإيمان والتربية وصحوة الضمير.
إن الأخلاق ليست صفات وراثية، و إنما قيم عظيمة غرسها فينا ديننا الإسلامي الحنيف، وجعلها أساسا لبناء الإنسان والمجتمع. فالصدق، والأمانة، والإخلاص، والوفاء، والرحمة، ليست فضائل اختيارية، بل هي أوامر ربانية، وبها تنهض الأمم وتبنى الأوطان.
إن بلادنا اليوم ليست بحاجة إلى أصحاب الشعارات بقدر حاجتها إلى أصحاب الضمائر الحية، إلى رجال ونساء يخلصون للأرض والإنسان، ويؤمنون بأن بناء الوطن يبدأ من صدق الكلمة، ونظافة اليد، وإخلاص العمل. فالأوطان لا ينهض بها المال وحده، و إنما تنهض حين تصبح الأخلاق ثقافة، والضمير رقيبا، والعدل منهجا.
ويبقى السؤال الذي يطرق القلوب قبل العقول: أين ذهبت تلك القيم التي تربينا عليها؟ وهل سنتركها تندثر أمام زيف المظاهر، أم نعيد إحياءها في أنفسنا وأبنائنا؟
فالتاريخ لا يخلد أصحاب الثروة والسلطة بقدر ما يخلد أصحاب المواقف والمبادئ. وسيظل الإنسان الحقيقي هو من يحمل ضميرا حيا، وقلبا صادقا، وأخلاقا لا تتبدل مهما تبدلت الظروف.
نبض ابين