الأربعاء , أغسطس 19 2026

الردفاني: حين تفشل هندسة السلام وتعود المنطقة إلى مربع الصراع

كتب رئيس اتحاد شباب الجنوب الاستاذ مثنى الردفاني قائلا: فشل عملية السلام في اليمن لا يعني سقوط طاولة المفاوضات فحسب، بل يعني أن المنطقة تقف أمام منعطف بالغ الخطورة، قد يعيد إنتاج الصراع بأدوات أكثر قسوة، ويفتح أبوابا جديدة للدم، بعدما عجزت القوى الإقليمية والدولية عن تحويل سنوات الحرب إلى مشروع سلام قابل للحياة.

لقد أثبتت التجربة أن إدارة الأزمات بمنطق النفوذ لا تصنع استقرارا، وأن السلام الذي يبنى على موازين القوة والوصاية لا يمكن أن يتحول إلى سلام دائم. وفي هذا السياق، تتحمل المملكة العربية السعودية مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة عن جانب واسع من حالة الاضطراب التي ضربت المنطقة خلال السنوات الماضية، ليس باعتبارها الطرف الوحيد في صناعة الأزمات، وإنما باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر تأثيرا في عدد من ملفاتها وأكثر قدرة على تغيير اتجاهاتها.

والمفارقة أن كثيرا من التدخلات السعودية في الملفات العربية انتهت إلى نتائج بعيدة عن الأهداف المعلنة؛ فبدلا من إغلاق بؤر الصراع، تمددت أزماتها، وبدلا من إنتاج تسويات مستقرة، جرى ترحيل الخلافات من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبحت المنطقة تعيش سلاما مؤجلا وحروبا معلقة وتسويات قابلة للانهيار في أي لحظة.

وفي اليمن، لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن التحولات التي طرأت على أدوار القوى الإقليمية. فقد أربك انسحاب الامارات من الملف اليمني، أو إعادة تموضعها فيه، كثيرا من الحسابات السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، وترك فراغا في بعض مسارات النفوذ، انعكس بصورة مباشرة على المشهد اليمني والجنوبي، وكشف أن كثيرا من التوازنات التي بدت ثابتة لم تكن سوى ترتيبات مؤقتة قابلة لإعادة التشكل.

أما الجنوب، فقد أصبح اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدا. وأحداث حضرموت لم تكن مجرد حادث عابر في سياق سياسي مزدحم، بل كشفت عمق الاختلال في إدارة القضية الجنوبية، وأظهرت أن محاولة احتواء الجنوب عبر ترتيبات جزئية أو هندسات سياسية فوقية لن تؤدي إلا إلى مضاعفة التناقضات وفتح مساحات جديدة للصراع.

والأكثر إثارة للقلق هو تعثر الحوار الجنوبي الجنوبي الذي دعت إليه المملكة. فالحوار الذي يفترض أن يكون جسرا بين الجنوبيين تحول إلى مسار طويل من التأجيل والاشتراط وإعادة ترتيب الأوراق، بينما تتسع الفجوة السياسية وتتراكم الاحتقانات على الأرض.

إن الجنوب لا يحتاج إلى وصاية سياسية جديدة، ولا إلى تمثيل مصطنع يجري تصميمه في غرف القرار الإقليمي. ومحاولة فرض إطار سياسي عبر مجالس تنسيق المحليات لتقديمها باعتبارها ممثلا للجنوب لن تنتج شرعية سياسية، لأن الشرعية لا تمنحها الخرائط الإدارية ولا تصنعها التعيينات، وإنما تصنعها الإرادة الشعبية والتوافق السياسي والقدرة على التعبير الحقيقي عن تطلعات الناس.

ومن الخطأ السياسي الاعتقاد أن تفكيك القضية الجنوبية إلى محافظات ومجالس محلية يمكن أن يلغي جوهرها السياسي. فالقضية ليست مجموعة مطالب محلية متفرقة حتى يجري توزيعها على طاولات المحافظات، وإنما قضية سياسية كبرى لها تاريخها وذاكرتها وتضحياتها ومشروعها، وأي تسوية لا تلامس جوهرها ستظل تسوية ناقصة مهما بدا إطارها أنيقا في البيانات والوثائق.

إن صناعة بديل سياسي للجنوب من خارج الجنوب لن تكون صناعة سلام، بل صناعة أزمة جديدة. وكل محاولة لإقصاء مكون جنوبي مؤثر أو تجاوز قوى سياسية واجتماعية حقيقية ستؤدي بالضرورة إلى اختلال ميزان التمثيل، ومن ثم إلى اختلال ميزان التسوية نفسها.

ولذلك، فإن الطريق الأكثر واقعية أمام المملكة ليس المزيد من هندسة المشهد، وإنما إعادة الاعتبار للحوار الجنوبي الجنوبي بوصفه استحقاقا سياسيا لا منحة إقليمية، وفتح أبوابه أمام جميع المكونات والقوى الجنوبية دون إقصاء أو شروط مسبقة، حتى يصل الجنوبيون إلى صيغة توافقية تعبر عنهم، لا عن رغبات الآخرين فيهم.

فالسلام لا يصنعه الأقوياء وحدهم، وإنما تصنعه قدرة الأطراف على الاعتراف ببعضها. والتسوية التي تبدأ بالإقصاء ستنتهي إلى الانقسام، والتمثيل الذي يبدأ بالوصاية سينتهي بفقدان الشرعية، والحوار الذي يدار من الخارج لن ينتج بالضرورة توافقا في الداخل.

لقد آن الأوان لأن تدرك القوى الإقليمية أن الجنوب ليس هامشا في دفتر الأزمة اليمنية، وأن تجاهله أو محاولة إعادة تشكيله سياسيا لن يؤدي إلا إلى تأجيل المشكلة وتحويلها إلى أكثر تعقيدا.

إن اليمن والجنوب يقفان أمام لحظة سياسية لا تحتمل المزيد من المناورات. إما أن تتحول اللحظة الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء مسار سياسي جاد يقوم على الشراكة والندية والاعتراف بالحقائق، وإما أن تفشل هندسة السلام مرة أخرى، وحينها لن يكون السؤال من انتصر في الجولة السياسية؟ بل من سيتحمل مسؤولية الجولة الجديدة من الدم؟

فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى وكلاء، ولا إلى خرائط مصطنعة، ولا إلى مجالس يجري تصنيع شرعيتها من الخارج. السلام يحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة، وإلى حوار حقيقي لا يستثني أحدا، وإلى الاعتراف بأن القضايا الكبرى لا تموت بمحاولات الالتفاف عليها، بل تعود في كل مرة بصورة أشد صلابة وأكثر كلفة.

ومن يظن أن بإمكانه صناعة جنوب جديد على طاولة إقليمية، دون أن يصغي إلى صوت الجنوب نفسه، قد ينجح في صناعة إطار سياسي مؤقت، لكنه لن ينجح في صناعة سلام دائم.

مثنى الردفاني
رئيس اتحاد شباب الجنوب

عن ahmed

شاهد أيضاً

العميد خالد النسي: الحوثيون يسيطرون على جزء كبير من قطاع النفط في حضرموت بتواطؤ قيادات في الشرعية والسعودية

حضرموت – خاص كشف الكاتب والمحلل العسكري الجنوبي العميد خالد النسي عن سيطرة مليشيات الحوثي …

رئيس هيئة المواصفات يشارك اعمال اجتماع لجنة تسيير حركة رفع مستوى التغذية في اليمن برعاية معالي نائب وزير التخطيط

إعلام الهيئة: شارك المهندس حديد الماس رئيس الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس في اعمال اجتماع لجنة …

وزير الخدمة المدنية يبحث مع المستشار الاقتصادي للمبعوث الأممي المستجدات الاقتصادية والخدمية

عدن – إعلام الوزارة: بحث معالي وزير الخدمة المدنية والتأمينات، سالم ثابت العولقي، اليوم الثلاثاء، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *