الإثنين , أغسطس 24 2026

الحارث إدريس وتزوير ذاكرة الانقلاب: حين تتحول الدبلوماسية إلى منصة لتبرير مشروع الإخوان

بقلم: الأستاذ أحمد العبيد

لم يعد حديث السفير الحارث إدريس، مندوب حكومة بورتسودان لدى الأمم المتحدة، مجرد دفاع دبلوماسي عن موقف سياسي، بل أصبح نموذجاً صارخاً لمحاولة إعادة كتابة التاريخ السوداني بما يخدم رواية السلطة وحلفائها من الإسلاميين. فحديثه عن أن الحكومة المدنية كانت قد قدمت استقالتها، وأن القوات المسلحة جاءت بعد ذلك لملء الفراغ، يقلب تسلسل الأحداث رأساً على عقب، ويحوّل الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 أكتوبر 2021 إلى ما يشبه “عملية إنقاذ دستورية”. لكن الوقائع الموثقة لا تسمح بهذا التلاعب؛ فقد أطيح بالحكومة المدنية واعتُقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين المدنيين في يوم الانقلاب، بينما وصفت الأمم المتحدة ما جرى بأنه انقلاب عسكري عطّل مسار الانتقال الديمقراطي. ولذلك فإن محاولة الحارث تقديم الجيش باعتباره الطرف الذي تدخل “لملء الفراغ” ليست سوى إعادة تدوير للرواية التي تحتاجها منظومة بورتسودان لتبرير أصل شرعيتها السياسية، وهي رواية لا تصمد أمام الوقائع ولا أمام ذاكرة السودانيين.

الأكثر خطورة أن تصريحات الحارث لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع حول هوية السلطة التي تشكلت بعد الانقلاب. فالمشكلة ليست في المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها مؤسسة وطنية، وإنما في توظيفها سياسياً من جانب تيارات الإسلام السياسي التي خسرت نفوذها الشعبي بعد ثورة ديسمبر، ثم وجدت في الانقلاب العسكري فرصة لإعادة ترتيب مواقعها داخل الدولة. ولهذا تبدو محاولة تصوير الجيش باعتباره “منقذاً” من أزمة سياسية مفتعلة جزءاً من خطاب سياسي أوسع يهدف إلى غسل مسؤولية القوى التي دفعت باتجاه إسقاط الانتقال المدني. وقد أشارت مصادر وتحليلات متعددة إلى عودة شخصيات وشبكات إسلامية إلى مواقع النفوذ بعد الانقلاب، فيما ظل الجيش صاحب اليد العليا في إدارة المرحلة التالية. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يحتاج مندوب حكومة بورتسودان إلى إعادة إنتاج هذه الرواية أمام المجتمع الدولي؟ لأن الاعتراف بالحقيقة يعني الاعتراف بأن الطريق إلى السلطة الحالية مر عبر انقلاب على ترتيب انتقالي مدني، لا عبر فراغ دستوري بريء كما يحاول الخطاب الرسمي تصويره.

إن أخطر ما في خطاب الحارث هو أنه لا يكتفي بتبرير انقلاب مضى، بل يؤسس لمنطق سياسي يمكن أن يعيد إنتاج الانقلابات مستقبلاً: إذا واجهت الحكومة المدنية أزمة، وإذا احتدمت الخلافات السياسية، يصبح من حق الجيش ــ وفق هذه الرواية ــ أن يتدخل، ثم يعلن نفسه حارساً للدولة و”مملئاً للفراغ”. هذه ليست ديمقراطية، وليست انتقالاً دستورياً، بل وصفة جاهزة لإبقاء السودان أسيراً للحكم العسكري ولشبكات المصالح التي تتغذى على غياب المؤسسات المدنية. وما يفعله الحارث، في تقديري، هو محاولة منح هذا المنطق غطاءً دبلوماسياً من منصة الأمم المتحدة، وكأن تغيير المصطلحات قادر على تغيير الحقائق. لكن الاستقالة التي جاءت بعد الانقلاب ليست هي نفسها الانقلاب الذي سبقها؛ فقد استقال حمدوك في 2 يناير 2022 بعد أشهر من الانقلاب والأزمة السياسية التي أعقبت سيطرة الجيش، أي أن وضع استقالته في سياق يسبق الانقلاب هو قلب متعمد للتسلسل الزمني للأحداث.

إن حكومة بورتسودان مطالبة، قبل أن تقدم نفسها للعالم بوصفها حامية للشرعية، بأن تجيب عن سؤال بسيط: أي شرعية تقصد؟ شرعية الدستور أم شرعية القوة؟ شرعية الثورة والانتقال المدني أم شرعية الأمر الواقع؟ أما محاولة الحارث إدريس تبرئة الانقلاب من طبيعته، وربطه بما يسميه “فراغاً” نشأ عن استقالة الحكومة المدنية، فهي ليست دفاعاً عن السودان وإنما دفاع عن رواية سياسية تريد إخفاء مسؤولية الانقلابيين وحلفائهم الإسلاميين عن المسار الذي أوصل البلاد إلى هذا الانسداد. إن مواجهة هذه الرواية لا تعني استهداف الجيش كمؤسسة وطنية، وإنما تعني رفض استخدام الجيش كواجهة لمشروع سياسي، ورفض تحويل الدبلوماسية السودانية إلى أداة لتلميع الانقلابات. وإذا كانت بورتسودان تريد فعلاً مخاطبة المجتمع الدولي، فعليها أن تواجه التاريخ كما هو، لا كما ترغب في أن يكون؛ فالحقائق لا تتغير بتغيير أسماء الانقلابات، والشرعية لا تُستخرج من بيانات السفراء، كما أن الإخوان، مهما تغيرت واجهاتهم ومواقعهم، لا يستطيعون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ومحو حقيقة أن الشعب السوداني خرج مطالباً بدولة مدنية، وأن إسقاط ذلك المسار بالقوة لم يكن “ملء فراغ”، بل كان انقلاباً على إرادة التغيير.

عن ahmed

شاهد أيضاً

التميمي يشارك في اجتماع قيادة مصلحة شؤون القبائل ويثمن الأدوار الوطنية للمرجعيات القبلية بحضرموت

​شارك مدير عام مصلحة شؤون القبائل بوادي وصحراء حضرموت، الشيخ سلطان بن زايد التميمي، في …

الكثيري وباجري يبحثان في سيئون جهود استكمال التحضيرات لنجاح المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت

بحث اليوم، عضوا اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت، الشيخ عبدالله صالح الكثيري، رئيس مرجعية …

شركة النفط بعدن تختتم دورتين تدريبيتين وتفتتح دورة في التسويق النفطي

عدن – خاص اختتم مركز التدريب والتأهيل في شركة النفط اليمنية فرع عدن، اليوم، دورتين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *