الثلاثاء , أكتوبر 27 2026

27 أكتوبر 1990م .. اليوم الذي سقط فيه قصر بعبدا، وانتهت الحرب الأهلية اللبنانية التي أحرقت لبنان 15 عاما …

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي

حين يذكر تاريخ لبنان الحديث لا يمكن أن يقفز أي مؤرخ فوق يوم 13 من أكتوبر عام 1990 وهو اليوم العسكري الذي اقتحمت فيه القوات السورية قصر بعبدا وأجبرت العماد ميشال عون على اللجوء إلى السفارة الفرنسية لكن الذاكرة السياسية اللبنانية والعربية اختصرت نهاية الحرب الأهلية كلها في الأسبوع الأخير من أكتوبر عام 1990 وسمي هذا الأسبوع بأسبوع السقوط الأخير والذي توج في السابع والعشرين من أكتوبر بإعلان رسمي بأن الحرب التي بدأت في 13 أبريل 1975 انتهت تماما وأن لبنان دخل مرحلة اتفاق الطائف ومرحلة الجمهورية الثانية.

ولكي نفهم لماذا يعتبر 27 أكتوبر 1990 تاريخا مفصليا يجب أن نعود خمسة عشر عاما إلى الوراء

كانت بيروت في السبعينيات تسمى سويسرا الشرق وكانت الجامعة الأمريكية وميناء بيروت وصحفها الحرة تجعلها عاصمة العرب الثقافية لكن تحت هذا البريق كانت هناك قنابل موقوتة نظام سياسي طائفي يقسم الرئاسة للماروني ورئاسة الحكومة للسني ورئاسة البرلمان للشيعي ووجود مسلح فلسطيني بعد أحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970 وتدخل إسرائيلي وسوري وأمريكي وجيش مقسم وميليشيات مسيحية ومسلمة ويسارية.

وفي 13 أبريل 1975 انطلقت الرصاصة الأولى في عين الرمانة حين هاجم مسلحون من حزب الكتائب حافلة فلسطينية فقتلوا 27 فلسطينيا فاشتعلت الحرب الأهلية التي ستستمر 15 سنة وستقتل أكثر من 150 ألف لبناني وتجرح أكثر من 300 ألف وتهجر أكثر من مليون إنسان وتدمر وسط بيروت الذي كان يسمى سوليدير قبل أن يصبح اسما لشركة إعادة الإعمار.

مرت الحرب بمراحل عديدة حرب السنتين 1975 إلى 1976 ودخول الجيش السوري كقوة ردع عربية عام 1976 واجتياح إسرائيل حتى بيروت عام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت وحرب الجبل عام 1983 وحرب المخيمات 1985 إلى 1988 ثم وصلت إلى ذروة الانقسام السياسي عام 1988 حين انتهت ولاية الرئيس أمين الجميل في 22 سبتمبر 1988 ولم يتم انتخاب رئيس جديد فعين الجميل قبل مغادرته القصر قائد الجيش العماد ميشال عون رئيسا لحكومة عسكرية انتقالية في بعبدا بينما عين الرئيس المكلف سليم الحص حكومة مدنية في بيروت الغربية فأصبح للبنان حكومتان وجيشان.

وكان ميشال عون ضابط مدفعية ماروني عنيد درس في فرنسا وأمريكا ويؤمن بأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة الباقية لإنقاذ لبنان فأعلن من قصر بعبدا ما سماه حرب التحرير ضد سوريا في 14 مارس 1989 وقصف بيروت الغربية وردت القوات السورية وحلفاؤها بقصف بيروت الشرقية وسقط في تلك الحرب وحدها أكثر من 900 قتيل مدني في خمسة أشهر.

وأمام هذا الجنون تدخلت السعودية والمغرب والجزائر وقدمت مبادرة عربية سميت اتفاق الطائف نسبة إلى مدينة الطائف السعودية التي اجتمع فيها النواب اللبنانيون في سبتمبر وأكتوبر 1989 ووقعوا وثيقة الوفاق الوطني التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية تدريجيا وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني لصالح مجلس الوزراء مجتمعا وتثبيت المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في البرلمان وإجراء إصلاحات دستورية.

انتخب النواب في الطائف الرئيس رينيه معوض ثم اغتيل بعد 17 يوما فانتخبوا إلياس الهراوي رئيسا للجمهورية في 24 نوفمبر 1989 وأصبحت حكومة الطائف برئاسة سليم الحص ثم عمر كرامي هي الحكومة الشرعية المعترف بها عربيا ودوليا لكن ميشال عون رفض الاعتراف بها واعتبرها حكومة غير دستورية ورفض تسليم قصر بعبدا وقال أنا الرئيس الشرعي.

واستمر هذا الانقسام حتى صيف 1990 حين اجتمع العالم كله ضد صدام حسين بعد غزوه الكويت في 2 أغسطس 1990 واحتاجت أمريكا إلى سوريا كحليف في التحالف الدولي لتحرير الكويت فأعطت الضوء الأخضر لدمشق لتنهي التمرد في بيروت مقابل مشاركتها في التحالف.

وفي فجر يوم السبت 13 أكتوبر 1990 بدأت العملية العسكرية السورية اللبنانية المشتركة التي سميت عملية فجر بعبدا فشاركت أكثر من 40 ألف جندي سوري مدعومين بطائرات سوخوي 24 ودبابات تي 72 مع ألوية من الجيش اللبناني الموالي لحكومة الطائف بقيادة العماد إميل لحود والعميد فؤاد عون والعميد منير روفايل وتقدمت نحو القصر الجمهوري في بعبدا.

كان عون يملك حوالي 12 ألف جندي وبطارية مدفعية وبعض الدبابات لكنه كان محاصرا دوليا ففرنسا التي كان يعول عليها اكتفت بالصمت وأمريكا أعطت الضوء الأخضر والجيش اللبناني نفسه انقسم واستمر القصف أربع ساعات فقط من السادسة صباحا حتى العاشرة صباحا وسقط خلالها أكثر من 200 قتيل من الطرفين ودمرت أجزاء من القصر.

وفي الساعة العاشرة والنصف طلب عون من إذاعة لبنان الحر أن يوقف القتال ثم فر مع مجموعة صغيرة من ضباطه إلى السفارة الفرنسية في الحازمية على بعد كيلومترين من القصر ودخلها لاجئا سياسيا ورفض الخروج وبقي فيها عشرة أشهر كاملة حتى أغسطس 1991 حين سمح له بمغادرة لبنان إلى فرنسا في منفى استمر 15 عاما.

لكن رغم أن الاقتحام العسكري حدث في 13 أكتوبر إلا أن الإعلان السياسي والقانوني عن نهاية الحرب لم يكتمل إلا في الأسبوع الأخير من أكتوبر ففي 27 أكتوبر 1990 اجتمع مجلس الوزراء اللبناني في قصر بعبدا المحرر لأول مرة منذ سنتين وأعلن رسميا بسط سلطة الدولة اللبنانية الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية باستثناء الجنوب الذي كان لا يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي وأعلن وقف إطلاق النار الشامل وبدء تنفيذ بنود اتفاق الطائف وتجميع السلاح الثقيل من الميليشيات وإعادة فتح مطار بيروت ومرفأ بيروت.

ولذلك أصبح يوم 27 أكتوبر 1990 في الذاكرة اللبنانية والعربية هو اليوم الرمزي الذي انتهت فيه الحرب الأهلية وليس 13 أكتوبر لأن 13 أكتوبر كان يوم السلاح بينما 27 أكتوبر كان يوم الدولة حين دخل الرئيس إلياس الهراوي قصر بعبدا لأول مرة وصلى فيه ورفع العلم اللبناني وقال كلمته الشهيرة لا غالب ولا مغلوب.

بعد هذا التاريخ بدأ لبنان مرحلة إعادة الإعمار بقيادة رفيق الحريري الذي أسس شركة سوليدير لإعادة بناء وسط بيروت وبدأت الميليشيات بتسليم سلاحها باستثناء حزب الله الذي احتفظ بسلاحه بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب وبدأ عودة المهجرين وفتح المدارس والجامعات.

واليوم بعد أكثر من 35 سنة من ذلك التاريخ لا يزال اللبنانيون يتذكرون 27 أكتوبر 1990 كيوم حداد على من مات وكعيد ميلاد ثان للجمهورية وكدرس قاس يقول إن الحرب الأهلية لا تنتهي بانتصار طائفة على أخرى بل تنتهي حين يقتنع الجميع أن لا أحد يستطيع أن يحكم لبنان وحده وأن اتفاق الطائف رغم كل عيوبه هو الذي أنقذ ما تبقى من لبنان.

ومن لا يفهم ما جرى في قصر بعبدا في أكتوبر 1990 لا يفهم لماذا لا يزال لبنان حتى اليوم يعيش على حافة الحرب وحافة السلام في نفس اللحظة ……

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
27 أكتوبر 1990م .. اليوم الذي سقط فيه قصر بعبدا، وانتهت الحرب الأهلية اللبنانية التي أحرقت لبنان 15 عاما …

عن ahmed

شاهد أيضاً

عضو هيئة رئاسة الانتقالي راجح باكريت: الوفاء لتضحيات الشهداء يقتضي مواصلة النضال وتوحيد الصف الجنوبي

العاصمة عدن /خاص دعا الشيخ راجح سعيد باكريت، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، …

تنفيذية انتقالي أبين تناقش تقرير الفصل الثالث وتستعرض مستجدات الأوضاع بالمحافظة

إعلام القيادة المحلية _ أبين عقدت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة …

مهما طال الزمن فلا شرعية إلا شرعية الشعب .*

كتب : اكرم العلوي  عندما أصدرت المملكة العربية السعودية خبرها تحت سقف أنها أغلقت باب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *