بقلم الدكتور ناظم صالح
قراءة في تجربة إدارية تجمع بين كفاءة القيادة وحكمة الإدارة ورقيّ التعامل الإنساني
ليست القيادة الإدارية مجرد منصب يتقلده الإنسان، ولا النجاح المؤسسي مجرد أرقام تُسجل في التقارير بل هي رؤية وفكر وخبرة وقدرة على صناعة التغيير، وإدارة الإمكانات المتاحة، وتحويل التحديات إلى فرص للإنجاز ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة في تجربة الأستاذ ناجي جابر، وما تركته مسيرته الإدارية من انطباعات وبصمات في قطاع المالية والإيرادات ومصلحة الضرائب.
من وزارة المالية إلى رئاسة مصلحة الضرائب.. مسيرة تحمل بصمة إدارية
من يتابع مسيرة الأستاذ ناجي جابر يدرك أن حضوره الإداري لم يبدأ من رئاسة مصلحة الضرائب، بل سبقه سجل من العمل والخبرة عندما كان وكيلًا لوزارة المالية لشؤون الإيرادات، حيث ارتبط اسمه، في نظر كثير ممن عاصروه وعملوا معه، بالتنظيم الإداري وترتيب الأولويات ومتابعة الأداء.
وقد امتدت هذه البصمة إلى تجربته الحالية في رئاسة مصلحة الضرائب، بما يحمله هذا الموقع من مسؤوليات اقتصادية ومالية وإدارية بالغة الأهمية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وخلال فترة تقل عن عام منذ توليه رئاسة المصلحة برزت ملامح توجه نحو إعادة ترتيب العمل المؤسسي وتطوير الأداء الإداري، وتعزيز كفاءة التحصيل، والاهتمام برفع مستوى الإيرادات العامة، حيث تشير الأرقام المتداولة إلى تحقيق نمو في الإيرادات وصل إلى نحو 100% خلال هذه الفترة وهو مؤشر يستحق الوقوف أمامه وتحليل عوامله، باعتباره جزءًا من مسار تطوير الأداء وتعزيز الموارد العامة.
معركة اقتصادية ومالية في ظروف استثنائية
إن الحديث عن إدارة مصلحة الضرائب لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي والمالي الذي تعيشه البلاد؛ فالمؤسسات الإيرادية تواجه تحديات كبيرة، تتعلق بتراجع الموارد واتساع فجوات الامتثال، والتهرب الضريبي وصعوبة تحصيل المستحقات فضلًا عن الظروف الاقتصادية التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات.
وفي خضم هذه التحديات تتجلى أهمية الدور الذي تضطلع به قيادة مصلحة الضرائب في إدارة هذه المعركة الاقتصادية والمالية والعمل على حماية الموارد العامة وتوسيع قاعدة المكلفين، وتعزيز الالتزام الضريبي، ورفع كفاءة التحصيل، ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي بما يسهم في تحسين قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها
ومن وجهة نظري، فإن ما يستحق الإشادة في هذه التجربة هو الاستمرار في تحمل المسؤولية والعمل على تطوير الأداء رغم صعوبة الظروف وتعقيداتها فالإدارة الناجحة لا تُختبر في الأوقات الميسرة وحدها، وإنما تظهر قدرتها الحقيقية عندما تتراكم التحديات وتضيق الخيارات.
الكفاءة الإدارية.. وتقدير الكفاءات وصناعة فريق العمل
ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها في تجربة الأستاذ ناجي جابر اهتمامه بالكفاءات والخبرات وإدراكه لأهمية العنصر البشري في بناء المؤسسات وتطوير أدائها.
فالمؤسسات لا تنهض بجهود المسؤول وحده مهما بلغت خبرته، وإنما تنهض بتكامل الأدوار، وحسن توظيف الطاقات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وإعطاء أصحاب الكفاءة والقدرة المساحة التي تمكنهم من أداء واجباتهم.
وتبرز هنا إحدى السمات التي يلمسها المتعاملون معه، وهي الجمع بين الحزم الإداري والمرونة في التعامل وبين متطلبات المسؤولية وتقدير الظروف الإنسانية بما يعزز روح العمل الجماعي والانتماء المؤسسي.
ناجي جابر الإنسان.. هدوء الطبع وحكمة العقل وسعة القلب
ولأن الإنسان لا يُعرف فقط بما يحققه في موقع المسؤولية، وإنما أيضًا بطريقة تعامله مع الآخرين فإن شخصية الأستاذ ناجي جابر تحمل جانبًا إنسانيًا يستحق الإشارة إليه
فهو، كما عرفناه ولمسنا في تعاملنا معه، صاحب طباع هادئة، ورقي في التعامل، وحكمة في مواجهة الصعوبات، وسعة صدر في التعامل مع اختلاف الآراء والمواقف
يمتلك عقلًا حكيمًا يعرف كيف يوازن بين الحزم والمرونة، وكيف يتعامل مع المواقف الصعبة بروية واتزان، وقلبًا كبيرًا يتسع للآخرين ويمنح من حوله شعورًا بالتقدير والاحترام.
وما يميز هذه الشخصية هو قدرتها على الجمع بين هيبة المسؤول وروح الأب فالحزم عنده لا يعني القسوة، والهدوء لا يعني التهاون والقيادة لا تعني الابتعاد عن الموظفين أو التعالي عليهم، بل إن الإدارة الحقيقية هي أن تكون قريبًا من الناس، واضحًا في قراراتك، عادلًا في تعاملك، وحازمًا في أداء مسؤولياتك.
وهذه صفات إنسانية وإدارية تترك أثرًا طيبًا في نفوس من يعملون مع المسؤول وتمنح العلاقة بين القيادة والموظفين بُعدًا يتجاوز حدود الوظيفة إلى الثقة والاحترام المتبادل.
الإصلاح المؤسسي.. ما بين الإنجاز والاستدامة
إن تطوير مصلحة الضرائب وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني يتطلبان مواصلة العمل على تحديث الإجراءات وتطوير الأنظمة، ورفع كفاءة التحصيل، وتوسيع قاعدة الامتثال ومكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية والرقابة، وبناء إدارة تعتمد على التخطيط والبيانات والمؤشرات الموضوعية.
كما أن المحافظة على أي نمو في الإيرادات وتحويله إلى نتائج مستدامة تتطلب مواصلة الإصلاح المؤسسي وتطوير قدرات الكوادر وتبسيط الإجراءات أمام المكلفين، وتحقيق التوازن بين حقوق الخزانة العامة ومراعاة الأوضاع الاقتصادية للقطاع الخاص والمجتمع.
ومن هنا تبرز أهمية مواصلة المسار التطويري في مصلحة الضرائب، والبناء على ما تحقق، ومعالجة أوجه القصور وتثبيت قواعد العمل المؤسسي بما يضمن استمرارية النتائج وعدم ارتباطها بالأشخاص وحدهم.
كلمة أخيرة.. شهادة تقدير ووفاء
إن الكتابة عن الأستاذ ناجي جابر ليست مجرد حديث عن مسؤول يتولى موقعًا قياديًا وإنما هي شهادة تقدير لمسيرة إدارية وتجربة مهنية وشخصية إنسانية جمعت، في نظر من عرفها وتعامل معها بين الخبرة المالية، والاهتمام بالتطوير المؤسسي، والحزم في المسؤولية، والرقي في التعامل
وقد تختلف وجهات النظر حول تقييم التجارب الإدارية، وهذا أمر طبيعي في العمل المؤسسي لكن الإنصاف يقتضي أن نسلط الضوء على الجهود المبذولة وأن نقدر كل خطوة تسهم في تطوير مؤسسات الدولة وتعزيز مواردها وأن نشجع على مواصلة الإصلاح وتحقيق نتائج أكثر استدامة
فالأوطان في أوقات الأزمات تحتاج إلى عقول تخطط، وقيادات تتحمل المسؤولية وإدارات تحسن توظيف الإمكانات وقلوب كبيرة لا تنسى أن الإنسان هو أساس كل عمل ونجاح
فله مني كل الحب والاحترام والتقدير، عرفانًا بجهوده، واعتزازًا بما يقدمه من عطاء، وتقديرًا لما لمسته في شخصه من هدوء الطبع، وحكمة العقل، ورقي التعامل، وكِبر القلب.
مع خالص الأمنيات له بمزيد من التوفيق والنجاح والسداد في أداء مسؤولياته ومواصلة مسيرة تطوير مصلحة الضرائب وتعزيز دورها الاقتصادي والمالي والوطني.
بقلم: الدكتور ناظم صالح إسماعيل
نبض ابين