كتب : أكرم العلوي
نعم، قد يصل شخص ما إلى المسؤولية تحت إطار المجاملة، أو تحت سقف المحسوبية البغيضة، دون النظر حتى إلى تاريخه الدراسي، ولا إلى سيرته، ولا إلى ماضيه، لأن المجاملة بوصوله كانت هي محور الوصول وهي السائدة في الوضع الراهن الذي نعيشه اليوم، قد ربما يصل البعض إلى مسؤولية كبرى ومستواه الدراسي منذ طفولته ومراحل دراسته – بالعربي الفصيح – بليد، لا يفقه شيئاً، لا في الإملاء ولا في الحساب، إنما وصل بظهير المجاملة، وبدفع القبيلة، وبوساطة فلان وعلان، وكم ممن وصلوا إلى المسؤولية بهذا المعيار هم جمّ وكثير، حدث ولا حرج، حتى امتلأت المكاتب بهم.
ولكن، وهنا مربط الفرس، لا يعني ذلك أن كل من وصل إلى المسؤولية هو بهذا الحال المزري. فهناك كوادر وصلوا إلى المسؤولية بتاريخ دراسي عريق، تاريخ مرتين بأساس أصله ثابت وفرعه في السماء، تاريخ لا يمكن أن يُزور ولا يمكن أن يُشترى بمال، ونذكر اليوم شخصية من هذه الشخصيات والهامات ذات العيار الثقيل، العيار الكفائي والدراسي الحافل بالتميز والشرف ، قد لا يعرف الكثير من هو الهامة الكبيرة المأمور أحمد صالح الأمين العلوي، قد يعرفه من يعرفه بصعوده الهرمي الطبيعي المتدرج خطوة خطوة، والكثير قد لا يعرفه لأنه لا يحب الظهور ولا يحب الضجيج الإعلامي، ولو تسلسلنا عن هذه الهامة من أول نشأته ، حتى وإن كانت الذاكرة تخونني بالنسيان في بعض التفاصيل الدقيقة ، لكن نتطرق إلى ما هو بالذاكرة لدينا من مخزون عن تاريخ المأمور أحمد صالح الأمين العلوي، وما علق في ذاكرة أبناء جيله ومعلميه.
طبعاً هذه الهامة بدأ مشواره في الدراسة في مدرسة الجَدَل، القشعة ردفان محافظة لحج، تلك المدرسة التي خرجت رجالاً، من الصف الأول الابتدائي إلى أن أكمل الثانوية العامة، ومنذ أن بدأ مشواره الدراسي من الصف الأول وهو الأول، كان حاصلاً على الامتياز بجدارة واستحقاق والمركز الأول بلا منازع، من الصف الأول الابتدائي وإلى أن أكمل الثانوية العامة وهو الأول، حتى وإن كان بعض الفصول لا أستحضر في أي صف تحديداً حصل على المرتبة الثانية في المرحلة الإعدادية، فصل أو فصلين فقط طوال مسيرته التي تتجاوز 12 عاماً، وإلا فهو الأول، الأول دائماً إلى أن أكمل الثانوية العامة بتفوق ساحق شهد له به كل من درسه، لم يكن تفوقه صدفة، بل كان نتاج ذكاء فطري، وذاكرة وقادة، وعقلية جبارة تحب العلم حباً جماً، ثم واصل مشواره الدراسي الجامعي، ودخل الجامعة فكان كعادته، حاز على المرتبة الأولى على دفعته، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وأول وظيفة له بالمرتبة الأولى هي أنه توظف تعليم عالي، مُعيد في جامعة عدن، جامعة عدن العريقة، وهذا شرف لا يناله إلا الأوائل فقط.
ثم لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، فواصل مشواره للماجستير وحاز على المرتبة الأولى بامتياز، وكان بحثه حديث الأساتذة لما فيه من عمق ودقة، وواصل مشواره الدراسي للدكتوراه في الهند، في بلاد العلم والعلماء، بتخصصه الحالي الدقيق والخطير والحساس: الطاقة النووية، وحصل على الامتياز، بل وتفوق على أقرانه من الهنود وغيرهم، حتى أصبح اسمه معروفاً هناك، ومن هذا المنطلق، فالشخصية الدكتور البروفيسور أحمد صالح الأمين العلوي ليست مجرد شخصية عادية قد يتوقعها أي شخص عندما يراه لأول وهلة، عندما يجده أي شخص بتواضعه الجم وكبريائه العلمي الشامخ، تقول أنك تقابل شخصاً عادياً بسيطاً لما يحمل من تواضع وأخلاق وابتسامة لا تفارق محياه، وهو بالأصل شخصية وهامة ربما دول العالم الكبرى تسعى أن تحصل على كادر بمثل هذه الهامات الكبيرة، وتدفع له الملايين ليكون ضمن علمائها، لكنه آثر البقاء لخدمة وطنه وأهله، لم أتطرق بدقة عن تاريخ المأمور الحافل بالتقدم والازدهار، إنما تطرقت إلى أشياء مختصرة بسيطة جداً عن تاريخه الحافل بالعلوم والمعرفة، ولو سردنا عنه بدقة وبأمانة لتعب القلم قبل أن ينتهي، تجده بكل الأمور يلم بشتى التخصصات، فهو موسوعة تمشي على قدمين، فهو عربي بكل مجالات اللغة العربية، نحوها وصرفها وبلاغتها وشعرها، والإنجليزية بكل مجالاتها يتحدث بها كأنه من أهلها، حتى في التخصصات الأخرى بمجالات أخرى كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، مُدعّم بثقافة واسعة ومُفعم بقوة علمية هائلة، وهكذا دواليك كل المواد العلمية، هنا تدرك أن هذه الشخصية شخصية نادرة، عملة نادرة، لا تجدها في أي زمان ومكان، عملة من ذهب خالص في زمن كثر فيه الحديد المصدأ.
وعن الدين حدث ولا حرج، واعٍ بثقافة إسلامية مُفعمة، رجل يحفظ كتاب الله، واعي بالحلال والحرام، رجل دين وعلم ودنيا، جمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العلم الشرعي والعلم النووي الدقيق الذي لا يصل إليه إلا النوابغ والأذكياء من الدرجة الأولى، فالمأمور أحمد صالح الأمين العلوي ليس مسؤولاً جاءت به المجاملة، بل المسؤولية هي من جاءت تبحث عنه، لأنها وجدت فيه ضالتها. فمثله هو من يشرف المنصب، وليس المنصب هو من يشرفه، ومثله هو من يرفع مكان المسؤولية، وليس المسؤولية هي من ترفعه، هو من تلك الطينة النادرة التي إذا ذُكرت الوطن في المحافل الدولية في مجال الطاقة النووية والعلوم الدقيقة، رفعت رأسك وقلت بكل فخر: هذا ابننا، هذا ابن اليمن، هذا ابن الجَدَل.
تواضعه يخدعك، يجعلك تظن أنه شخص عادي، فإذا تكلم سمعت عالماً لا يشق له غبار، وإذا ناقش سمعت موسوعة علمية متحركة، وإذا سكت رأيت وقار العلماء وهيبة الكبار وسمت الصالحين، فيا أيها المأمور، سر وعين الله ترعاك، فأنت فخر لنا، وفخر لكل طالب علم، ودليل حي على أن اليمن لا زالت ولادة للعظماء رغم كل الجراح، فسلام على هامة مثل هذه، وسلم الوطن بمثل هؤلاء الرجال، الذين لم تلوثهم المحسوبية، ولم تصنعهم الواسطة، ولم ترفعهم القبيلة، بل صنعهم سهر الليالي على الكتب، والجد والاجتهاد والعرق، من مدرسة الجدل الصغيرة في القرية إلى أكبر جامعات الهند في أدق تخصص عرفته البشرية: الطاقة النووية.
أبو الاسكندر العلوي
الاربعاء، 5 نوفمبر 2026م
نبض ابين