بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب
لم يعد الموظف العام في بلادنا مجرد ترس في آلة الدولة بل تحول بفعل الأزمات المتلاحقة إلى بطل أسطوري يمارس فن البقاء بأقل الإمكانيات ولكن أن يصل الحال بهذا الموظف المنهك أصلًا إلى أن يصبح راتبه الهزيل مجرد رقم وهمي أو حبر على ورق بحجة أزمة السيولة فهنا نكون قد تجاوزنا حدود الصبر الإنساني ودخلنا نفق الكارثة المعيشية .
يذهب الموظف إلى عمله مثقلاً بالديون يستهلك ما تبقى من طاقته الجسدية والنفسية ليؤدي واجبه تجاه المواطن والدولة وفي نهاية الشهر ينتظر ذلك المبلغ الزهيد الذي لا يكاد يغطي فاتورة الخبز والماء وعندما تعلن الجهات المالية وعلى رأسها البنك المركزي عن أزمة سيولة تمنع صرف الرواتب فإنها لا تطلق تصريحاً اقتصادياً فحسب بل تصدر حكماً بالإعدام المعيشي على آلاف الأسر .
إن تبرير غياب الرواتب بنقص السيولة النقدية هو عذر تقني يفتقر إلى الحساسية الاجتماعية فالجوع لا يعترف بالسياسات النقدية وأمعاء الأطفال التي تتضور جوعاً لا تفقه لغة العجز أو تراجع الإيرادات .
أين التخطيط الاستباقي؟ اين الوعود من الحكومة الجديدة بانتظام صرف الرواتب؟ السيولة ليست ظاهرة جوية مفاجئة بل هي نتاج سياسات مالية وإيرادية يفترض أن البنك المركزي والحكومة يمتلكان أدوات التنبؤ بها ومعالجتها قبل أن تمس لقمة العيش .
حين تعجز الحكومة عن توفير أبسط مقومات البقاء لمن يديرون مرافقها فإنها تفقد بالتبعية جزءاً كبيراً من مشروعيتها المعنوية لدى الشارع .
أمام صرخات الجوع لم يعد من المقبول الاكتفاء بدور المراقب الصامت أو المبرر العاجز المسؤولية تحتم اتخاذ خطوات عاجلة وحقيقية .
- تحريك الإيرادات المعطلة والزام المحافظات التي ترفض التوريد لا يمكن الحديث عن أزمة سيولة وهناك أوعية إيرادية ضخمة لا تورد إلى الخزينة العامة بشكل سليم او لا تورد نهائياً .
- أولوية الرغيف يجب أن يكون بند الرواتب مقدساً يقدم على كافة النفقات التشغيلية و رحلات سفر المسؤولين للترفيه تحت بند حضور المؤتمرات والمصاريف الثانوية للوزارات والمؤسسات .
- الحلول المبتكرة تفعيل أدوات الدفع الإلكتروني بشكل جدي وشامل وتوفير بدائل نقدية تضمن للموظف الحصول على احتياجاته الأساسية دون انتظار الأوراق النقدية المفقودة .
بينما تتعلل المؤسسات الرسمية والبنك المركزي بـ أزمة السيولة تظهر في الأفق مفارقة تبعث على الحيرة والغضب فخزائن البنوك الخاصة ومحلات الصرافة وكبار التجار متخمة بالعملة المحلية بشكل لا يخفى على أحد هذه الكتل النقدية الضخمة التي استوطنت الأدراج الخاصة بدلاً من الدوران في الشرايين الرسمية للدولة وضعت المواطن أمام واقع مرير تحولت السيولة من وسيلة لتسيير حياة الناس إلى أداة ضغط في يد حفنة من المستفيدين في ظل غياب الرقابة الصارمة التي تعيد توجيه هذا النقد إلى مساره الطبيعي حتى المواطن الذي يمتلك مبلغاً بسيطاً من العملة الصعبة يصطدم بتعنت محلات الصرافة التي ترفض الصرف إلا بمبالغ ضئيلة جداً بالقطارة وبالكاد تغطي قوت يوم واحد بحجج واهية هدفها التحكم في سوق الصرف ومضاعفة الأرباح على حساب الأنين الشعبي .
سؤال للسلطة والبنك المركزي إذا كانت العملة المحلية موجودة وبكثرة في السوق الموازية وعند الهوامير والمضاربين فبأي منطق تُحرم منها خزينة الرواتب وان لم تكن كذلك فاين ذهبت العملة المحلية هل ابتلعها البحر ؟
إن دور البنك المركزي ليس مجرد إعلان الأزمات بل انتزاع هيبة الدولة المالية من مخالب المضاربين إن بقاء السيولة حبيسة في بدرومات كبار التجار بينما يتضور أولاد الموظفين جوعاً هو دليل قاطع على خلل بنيوي وفشل في إدارة الموارد المالية السيادية.
إن استمرار هذا الوضع يعني منح الضوء الأخضر لتجار الأزمات لمواصلة خنق المواطن على الحكومة والبنك المركزي اتخاذ إجراءات قيصرية لإلزام المصارف وشركات الصرافة بتسييل المبالغ المطلوبة وتسهيل معاملات الناس مالم فإن الصمت الرسمي سيُفسر على أنه تواطؤ أو عجز لا يليق بمن يتصدر مشهد المسؤولية.
إن كرامة الموظف من كرامة الدولة و على الحكومة والبنك المركزي أن يدركوا أن أزمة السيولة قد تنتهي غداً لكن الجرح الذي يتركه جوع الأطفال في قلوب آبائهم الموظفين لن يندمل بسهولة كفوا عن لغة التبريرات وابحثوا عن لغة الحلول فالوقت لم يعد في صالح أحد .
نبض ابين