كان لي حديث مع الرفيق الدكتور ناصر الخبجي حول تشكيل لجنة الحوار التابعة للمجلس الانتقالي حينها برئاسة الدكتور صالح الحاج، وقلت له كيف تنتظرون من لجنة يغلب على أعضائها المقيمون في الخارج (مغتربين ) أن تنجح في إدارة حوار يعالج تعقيدات قضية تشكلت في الداخل، وصاغتها تضحيات الناس، وتراكمت تفاصيلها في الميدان ، فالحوار ليس مجرد اجتماع لأشخاص، بل هو معرفة عميقة بالواقع، وإدراك لحساسية اللحظة، وثقة متبادلة بين من يدير الحوار ومن يمثل قواه.
ولهذا لم يكن مستغربا، من وجهة نظري، أن يتعثر ذلك الحوار ويفشل في بلوغ غاياته.
واليوم يبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه في الرياض، حيث يراد لحوار جنوبي جنوبي أن يدار من قبل شخصيات تقيم في الرياض وإسطنبول والمنامة والدوحة والقاهرة وغيرها من بلدان الشتات، بينما يظل صوت الداخل، بكل ما يحمله من تجربة ومعاناة ومسؤولية، أقل حضورا مما ينبغي.
إن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة للمسافات، بل إدارة للواقع. والشرعية الحقيقية لا تمنحها قاعات الفنادق، وإنما يصنعها الاحتكاك اليومي بالناس، والقدرة على فهم نبض المجتمع، واستيعاب توازناته، وتحمل كلفة القرار.
ليس في ذلك انتقاص من دور أبناء الجنوب في الخارج، فهم رصيد وطني لا غنى عنه، غير أن لكل مرحلة رجالها، ولكل موقع مسؤوليته. فالخارج يساند ويقرب وجهات النظر، أما الداخل فهو الذي يملك مفاتيح التعقيد، لأنه يعيش تفاصيله ويتحمل نتائج مخرجاته.
ولهذا فإن أي حوار لا ينطلق من الداخل، ولا يجعل قيادته بيد من يحملون ذاكرة القضية ويعيشون واقعها، يظل معرضا لأن يتحول إلى حوار حول الجنوب، لا حوار يصنع مستقبل الجنوب. فالحوار الحقيقي لا يولد من الجغرافيا وحدها، بل من شرعية التجربة، وصدق التمثيل، وحكمة الإنصات، لأن الأوطان لا تبنى بالأصوات القادمة من بعيد وخلف البحار ، وإنما بالإرادة التي تنبض في قلب الميدان. انتهى
نبض ابين