▪️القوانين الدولية لحقوق الانسان: التهجم على الممتلكات لا يبرر استخدام القوة المميتة اطلاقاً
▪️المجلس الاعلى لمنسقيات منظمان المجتمع المدني الجنوبية: استخدام القوة المفرطة ضد مواطنين عُزّل يُعد امراً مؤسفاً وانتهاكاً صارخاً لحق المواطنين في التعبير
▪️الشبكة المدنية: ندين الاعتداء السافر والاستخدام المفرط وغير المشروع للقوة ضد المتظاهرين السلميين
▪️انتقالي شبوة: نحمل اللجنة الأمنية مسؤلية ماحدث وعدم ضبط المتورطين سيضطرنا إلى اتخاذ خطوات مشروعة
▪️اللجنة الأمنية: نعبّر عن اسفنا لما حدث ونستنكر الأعتداء على القوات الأمنية من قبل عناصر مندسة مدججة بالسلاح
▪️رواية ميدانية: مندسين قامو بتحريض المتظاهرين للتوجة نحو ديوان المحافظة
▪️المحافظ بن الوزير: يشكل لجنة تحقيق لمعرفة ملابسات الاحداث التي شهدها ديوان المحافظة
تحقيق: صابر السليس
في مشهدٍ أعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين السلطة وحق المواطنين في التظاهر، شهدت مدينة عتق بمحافظة شبوة، صباح الأربعاء 11 فبراير 2026، أحداثًا دامية رافقت إحياء الذكرى الـ59 ليوم الشهيد الجنوبي. فعالية جماهيرية أُعلنت بوصفها سلمية لإحياء ذكرى وطنية، انتهت بسقوط ستة قتلى وعشرات الجرحى، وسط تباين في توصيف ما جرى: بين من يتحدث عن استخدام مفرط للقوة ضد متظاهرين عُزّل، ومن يؤكد وقوع اعتداء مسلح استهدف القوات العسكرية والأمنية بالمحافظة.
تأتي هذه الأحداث في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، حيث يتقاطع الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي مع اعتبارات الأمن والاستقرار، ويتعقد المشهد أكثر مع الحديث عن “مندسين” وانحراف الفعالية عن مسارها المعلن. وبين البيانات الرسمية، وشهادات الميدان، والمواقف السياسية المتباينة، يبرز سؤال جوهري: هل تم احترام الضوابط القانونية المنظمة للتعامل مع الحشود السلمية، أم أن ما حدث يمثل تجاوزًا خطيرًا يستدعي مساءلة شفافة وعادلة؟
هذا التحقيق يسعى إلى تفكيك خيوط ما جرى في عتق، من لحظة الدعوة للفعالية والاستعداد لها، مرورًا بسير الأحداث في يومها، وصولًا إلى المواجهات أمام مبنى المحافظة، مستندًا إلى الوثائق المتاحة، والتصريحات الرسمية، وروايات شهود العيان، في محاولة لرسم صورة دقيقة تضع القارئ أمام الوقائع كما حدثت، وتفتح الباب أمام تقييم قانوني وحقوقي يستند إلى الأدلة لا إلى المواقف المسبقة.
نقطة البداية:
في تاريخ 7 فبراير أقرت الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي في محافظة شبوة إقامة فعالية الثبات والصمود، في مدينة عتق، بمناسبة الذكرى الـ(59) ليوم الشهيد الجنوبي، تخليدًا لتضحيات الشهداء الأبرار، وتجديدًا للعهد بالسير على دربهم، ومواصلة النضال حتى تحقيق تطلعات شعب الجنوب في الحرية والاستقلال واستعادة دولته كاملة السيادة.
في 9 فبراير، يوم الإثنين، عقدت القيادة المحلية للمجلس، اجتماعًا موسعًا مع رؤساء الهيئات التنفيذية للمجلس في المديريات، برئاسة الشيخ لحمر علي لسود، ناقشت فيه الاستعدادات الجارية للحشد الجماهيري، بالاضافة إلى الجوانب التنظيمية والفنية والأمنية المرتبطة بإقامة الفعالية المزمع إقامتها يوم الإربعاء من نفس الأسبوع.
ومع ساعات الفجر الأولى من يوم الأربعاء، أقدمت قوات عسكرية على اقتحام الموقع المخصص لإقامة الفعالية، وقامت بتكسير المنصة، كما طوقت المكان بأكثر من عشر مدرعات وثلاثين طقمًا عسكريًا، وما يزيد عن مائتي عنصر مسلح، في مشهد أقرب إلى جبهة قتال.
وفي صباح اليوم الأربعاء، ومع بداية تجمع المواطنين بالقرب من الموقع المخصص للفعالية، قامت عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهم ملثمون، بإطلاق النار في السماء لمنع المواطنين من الاحتشاد، فتحركت التظاهرة في احد شوارع مدينة عتق المؤدية إلى مبنى المحافظة، لاستكمال الفعالية، وهناك وعلى بوابة المبنى طالب المتظاهرين القوة الأمنية المتواجدة بانزال علم الوحدة الذي رُفع مؤخراً على المبنى، معبرين عن حقهم في رفض الوحدة اليمنية، وعدم قبول سياسة الإكراة التي تُمارس على الشعب الجنوبي منذو عام 90، إلا أن الأجهزة الأمنية والعسكرية قابلت مطالبهم بالرفض وإطلاق النار من مختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة بشكل مباشر، ما أدى إلى سقوط 6 شهداء و30 جريحا.
موقف السلطة المحلية واللجنة الأمنية من الحادثة:
اللجنة الأمنية عبّرت في بيان رسمي صادر عنها عن بالغ الأسف والاستنكار لما وصفته باعتداء نفذته عناصر مندسة ومدججة بمختلف أنواع الأسلحة استهدفت الوحدات الأمنية والعسكرية أثناء محاولتها اقتحام ديوان المحافظة.
وأكد البيان أن العناصر أطلقت الذخيرة الحية باتجاه القوات والآليات، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا والمصابين، معتبرًا ما حدث انحرافًا خطيرًا عن دعوات السلمية وخروجًا صريحًا عن النظام والقانون.
وفي بيانها الصادر يوم أمس الثلاثاء أكدت اللجنة الأمنية على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون متوازنة مع الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات الوطنية.
واشارت إلى أن أي فعالية أو نشاط غير مرخص، أو لم يتم تنفيذه ضمن الأطر القانونية وبدون التنسيق المسبق مع الجهات المختصة، لن يتم السماح بها بأي حال من الأحوال، محذرة من أي محاولة لتكدير السلم الاجتماعي أو زعزعة الأمن والاستقرار.
من جانبه أصدر محافظ شبوة عوض بن الوزير قرارا بتشكيل لجنة تحقيق لمعرفة ملابسات الأحداث التي شهدها ديوان المحافظة بمدينة عتق.
وبحسب مكتب الإعلام بالمحافظة، تضم اللجنة مسؤولين محليين وقيادات عسكرية وأمنية إضافة إلى اختيار ثلاثة ممثلين عن ذوي الضحايا والمصابين “تعزيزا لمبدأ الشفافية وترسيخا للعدالة”.
القيادة المحلية لانتقالي شبوة: تحمل اللجنة الأمنية مسؤولية ما حدث:
بحسب بيان لها أوضحت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي بالمحافظة بانها عرضت على اللجنة الأمنية والسلطة المحلية تأمين مكان الفعالية وتفتيش جميع المتظاهرين لمنع أي إساءات أو شعارات أو تصرفات مسيئة، بما في ذلك منع حرق أعلام أو صور أي دولة، إلا أن ذلك قوبل بالرفض.
وحمّلت اللجنة وكل أجهزتها الأمنية والعسكرية المسؤولية الكاملة عمّا جرى وما يترتب عليه من تداعيات. وشددت على سرعة ضبط الجناة والمتورطين في إصدار الأوامر بإطلاق النار، مؤكدة أن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة سيضطره إلى اتخاذ ما يلزم من خطوات وصفتها بأنها مشروعة.
ادانات واستنكار
أصدر المجلس الأعلى لمنسقيات منظمات المجتمع المدني الجنوبية، بيانا ادان فيه أعمال القمع التي أقدمت عليها القوات الأمنية والعسكرية في محافظة شبوة بحق المتظاهرين السلميين.
وأكد المجلس إن استخدام القوة المفرطة ضد مواطنين عُزّل، وما أسفر عنه ذلك من سقوط شهداء وجرحى، يُعد أمراً مؤسفاً وموجعاً يدمي القلوب، ويشكل انتهاكاً صارخاً لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم وإحياء مناسباتهم الوطنية. وتتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الأحداث الجهات التي أصدرت أوامر إطلاق النار، وكل من حرّض أو مهّد لهذه الأعمال عبر حملات إعلامية مدفوعة سبقت الواقعة، مروراً باقتحام ساحة الفعالية وتكسير المنصة ومحاولة منع إقامة الفعالية بالقوة.
ونوه المجلس إن هذه الممارسات القمعية، التي بدأت إرهاصاتها في سيئون حاضرة وادي حضرموت بعملية القمع والخطف والاعتقال بحق النشطاء السياسيين الذين شاركوا في مسيرة الصمود والثبات يوم السبت الماضي، أمر غير مفهوم ولا مبرر له إطلاقاً، ولا يخدم استقرار محافظة شبوة ولا مصالح أبنائها، بل يزيد من حالة الاحتقان ويعمّق جراح المجتمع.
كما وجه المجلس الدعوة للمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، وكافة مؤسسات المجتمع الدولي، إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، والتحرك العاجل لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين، وضمان احترام الحق في التظاهر السلمي، والعمل على رفع الظلم الواقع على شعب الجنوب، وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وفي ذات السياق ادانت الشبكة المدنية للإعلام والتنمية وحقوق الإنسان اعتداء القوات العسكرية في شبوة على المتظاهرين، في بيانا لها جاء فيه: “تدين الشبكة المدنية بأشد عبارات الإدانة والاستنكار الاعتداء السافر والاستخدام المفرط وغير المشروع للقوة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي، ضد المتظاهرين السلميين من قبل قوات الامن في محافظة شبوة، في انتهاك خطير ومباشر للحق في التجمع السلمي وحرية التعبير المكفولين بموجب الدستور الوطني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.
وتؤكد الشبكة إن استهداف متظاهرين سلميين بالرصاص الحي وسقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال يمثل سابقة خطيرة تهدد السلم المجتمعي، وتكشف عن أزمة عميقة في احترام الحقوق والحريات الأساسية، وإن الحق في الحياة والاحتجاج السلمي حقوق غير قابلة للمساومة، وأي انتهاك لها يستوجب المساءلة الصارمة.
ودعت الشبكة المدنية الأمم المتحدة، والمبعوث الاممي الخاص إلى اليمن، ومفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، إلى التدخل العاجل لرصد هذه الانتهاكات الجسيمة، وادانتها والضغط من أجل حماية المدنيين، مؤكدة على ضرورة وضع حد فوري لاستخدام العنف وإجراء تحقيق مستقل في الجرائم المرتكبة يكفل محاسبة كافة المسئولين عن ارتكابها ويمنع إفلاتهم من العقاب.
رواية ميدانية: اتهام بـ”الاندساس”
من جهته، قدّم الناشط والكاتب الشبواني أحمد فرج أبوخليفة رواية مغايرة لما جرى، مؤكدًا أن الفعالية الجماهيرية أُقيمت في مكانها المخصص رغم إطلاق النار، وأنها سارت بصورة منظمة وسلمية.
وأوضح أن ما حدث لاحقًا تمثل في قيام “مندسين” بتحريض المتظاهرين على التوجه نحو ديوان المحافظة، مشيرًا إلى أنه حاول من خلال مكبر الصوت التأكيد على بقاء الفعالية في نطاقها المحدد وعدم الخروج عنه.
وأضاف أن بعض المتظاهرين تحركوا لمسافة تقارب أربعة كيلومترات باتجاه مبنى المحافظة، الذي كان محاطًا بقوات أمنية، لتقع بعدها المواجهات.
واختتم أبوخليفة حديثه بالدعاء للضحايا والجرحى، مؤكدًا استمرار الحراك حتى تحقيق أهدافه.
انتقادات لاسلوب المواجهة:
العميد علي أحمد الجبواني، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، قال معلق على الأحداث في تغريدة له على منصة أكس: بصرف النظر عن الأسباب والدوافع، لا أحد يملك الحق في قتل المتظاهرين. العدالة للشهداء واجب، والمحاسبة ضرورة. فالدم الذي سُفك لن يُمحى بالبيانات أو التبريرات، بل يزيد من الاحتقان ويُعمّق فجوة الثقة.
مواقفنا واضحة وثابتة، ونحن إلى جانب شعبنا حتى استعادة دولته المستقلة.
اما الكاتب صالح الدويل باراس، قال في مقال له: “والله لا نريد الفوضى في المحافظة لكن “الدم يجبّ ما قبله” ومَن اتخذوا من احداث القتل مدخلا لتصفية ظغائنهم ضد مشروع الجنوب وانه هيبة للدولة ، فهيبتها تصان بتطبيق القانون ، والقانون يحمي الحق في التظاهر السلمي ، وللجهات الأمنية وسائل لتفريق المتظاهرين اذا تحولت التظاهرة الى فوضى دون إراقة الدماء (قنابل صوتية، مسيلة للدموع ، ذخيرة مطاطية) اما استخدام الذخيرة الحية ضد العزل فغير مبرر ومن يؤيدون القوة المفرطة لا يهمهم تطبيق القانون ، فهيبة الدولة لا تُبنى على القتل بل على العدالة واحترام الحقوق واول الحقوق حرية التعبير وحرية التظاهر”.
النتائج:
بعد الرجوع إلى مواد القوانين الدولية لحقوق الانسان والتي تنص على حق التجمع والتظاهرات وموقف القوات العسكرية والأمنية منها نجد أن التهجم على الممتلكات لا يبرر للجهات الأمنية استخدام القوة المميتة اطلاقاً؛ ولا يجوز استخدام السلاح الناري إلا في حالات الدفاع عن النفس او حماية الآخرين من خطر وشيك بالموت.
كما ان القوات العسكرية لم تطبق الطرق والأساليب التي يجب اتباعها في التعامل مع التظاهرات (وفقاً للمعايير الدولية) والمتمثلة في الآتي:
التعامل السلمي أولاً: محاولة التهدئة، التنبيه الواضح قبل استخدام القوة، وتجنب الهجوم العشوائي.
التدرج في القوة: البدء بالوسائل غير القاتلة (مثل الغاز المسيل للدموع) وتوجيهها بدقة، وتجنب إلقاء الحجارة أو الأسلحة على المتظاهرين.
التمييز: التمييز بين المتظاهرين السلميين والمخربين، وحماية الحق في التعبير.
المحاسبة: فتح تحقيقات مستقلة في حالات الاستخدام المفرط للقوة.
ومن خلال المشاهد المصورة المتداولة وبعد تدقيق الملاحظة فيها لم نجد في تصرفات المتظاهرين ما يبرر للقوات العسكرية استخدام السلاح الناري وتوجيهه إلى صدور المواطنين مباشرة وقتلهم.
نبض ابين