كتب /العميد وهيب بن سلم
لم تكن فكرة إنشاء قوات مسلحة جنوبية حديثة وليدة اللحظة أو نتاج ظروف عابرة، بل جاءت استجابة لضرورة فرضتها التطورات العسكرية والأمنية التي شهدها الجنوب خلال عام 2015 في ظل الحرب وما رافقها من تحديات كبيرة. وقد برزت الحاجة إلى وجود قوة عسكرية منظمة تتولى حماية الأرض وتأمين المدن والمحافظات الجنوبية ، امتدادا للإرث العسكري للجيش الجنوبي الذي تم تسريح منتسبيه وتهميشهم ، مستندة إلى الخبرات العسكرية المتراكمة عبر مراحل مختلفة..
وقبل اندلاع الحرب بسنوات كانت هناك جهود لتشكيل سرايا وكتائب مقاومة جنوبية ضمت أفرادا يمتلكون خبرات قتالية اكتسبوها من التدريب والمشاركة في المواجهات الميدانية وهو ما أسهم في تكوين النواة الأولى للقوات المسلحة الجنوبية ..
ومع تطور الأحداث، برزت الحاجة إلى الانتقال من مرحلة المقاومة إلى مرحلة التشكيلات العسكرية النظامية فتم تأسيس اللواء الأول مشاة في منطقة جبل حديد، وصدر قرار جمهوري بإنشائه تحت مسمى لواء حماية المنشآت ليشكل النواة الأولى للقوات المسلحة الجنوبية الحديثة ، ومنطلقا لبناء الألوية العسكرية بمختلف اختصاصاتها إلى جانب تأسيس قوات الأحزمة الأمنية التي اضطلعت بدور مهم في حفظ الأمن والاستقرار داخل المدن والمحافظات الجنوبية ..
كما أسهم الدعم التي قدمته دولة الإمارات الشقيقة في مجالات التدريب والتأهيل والتسليح والدعم اللوجستي في رفع مستوى جاهزية هذه القوات وتعزيز قدراتها على تنفيذ المهام العسكرية والأمنية، الأمر الذي انعكس على سرعة انتشارها وكفاءتها في مواجهة التحديات الميدانية ..
وفي هذا السياق برزت قوات النخبة الحضرمية كواحدة من أنجح التجارب العسكرية المحلية إذ تأسست في ظروف أمنية وعسكرية استثنائية بهدف تحرير ساحل حضرموت وبناء قوة من أبناء المحافظة تتولى مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار. وبعد نجاحها في تحرير الساحل، واصلت أداء مهامها في تثبيت الأمن وحماية المنشآت ومكافحة الإرهاب ، مستفيدة من برامج التدريب والتأهيل التي أسهمت في رفع جاهزيتها وكفاءتها العملياتية..
وخلال عقد من الزمن، تمكنت القوات المسلحة الجنوبية، والأحزمة الأمنية، وقوات النخبة الحضرمية، بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي ، من ترسيخ حضورها كقوات فاعلة على الأرض ، وأسهمت في حماية العديد من المناطق الجنوبية، وتعزيز الأمن والاستقرار، ومساندة جهود مكافحة الإرهاب، إلى جانب اكتساب كوادرها خبرات ميدانية وعسكرية متقدمة..
وتمثل تجربة تأسيس هذه القوات إحدى أبرز المحطات في التاريخ العسكري الجنوبي الحديث، إذ جسدت الانتقال من العمل المقاوم إلى بناء تشكيلات عسكرية وأمنية منظمة ، أصبحت ركيزة أساسية في المنظومة الأمنية والعسكرية الجنوبية . كما تؤكد هذه التجربة أن بناء قوة عسكرية محترفة تقوم على التدريب والانضباط ووحدة القيادة ، يمثل الأساس لتحقيق الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات الوطنية..
إن توثيق نشأة وتكوين هذه القوات يُعد جزءا مهما من كتابة التاريخ العسكري الجنوبي وحفظ ذاكرة تلك المرحلة وإبراز الجهود التي بُذلت في سبيل بناء مؤسسات عسكرية جنوبية قادرة على أداء واجباتها الوطنية بكفاءة واقتدار بما يخدم الأمن والاستقرار ويحافظ على المنجزات التي تحققت خلال السنوات الماضية ..
مدير دائرة التوجيه المعنوي والسياسي للقوات المسلحة الجنوبية .
نبض ابين