بقلم: احمد السيد عيدروس
عدن اليوم ترزح تحت وطأة كارتيلات التعليم الخاص وهذا تجسيد حي لتراجيديا اجتماعية قاسية ومأساة مكتملة الأركان تتجرعها عدن و يراد بها أن تذهب بقدميها نحو الجاهلية وعصور الظلام
فلم تعد الحكاية مجرد أرقام تُكتَب على دفاتر الإيصالات بل أمست صراع يومي بين كرامة أب يلتف على جيبه الخاوي وطفل يرمق حقيبته المدرسية كما لو كانت تذكرة دخولٍ إلى عالم المزادات الذي يباع فيه التعليم لمن يدفع أكثر
هذا اللوبي التجاري الجشع الذي سيطر على المدارس الخاصة يتجاهل القرارات الرسمية المرصعة بالأختام دون أدنى خوف من العقوبات مما يثير التسائلات والشكل هل يوجد تخادم بين الجلاد وحارس الفضيلة في عدن
فتلك القرارات الحكومية التي تقرّ تخفيض للرسوم بنسبٍ تتراوح بين عشرة وثلاثين بالمئة تُلقى في مهب الريح وتُضرب عرض الحائط أمام سطوة اللوبي المدرسي وبدلاً من أن تكون المدارس صروحاً للبناء التربوي تحولت لدى بعض القائمين عليها إلى بورصة مفتوحة للتحايل فتُعاد فيها هيكلة التصنيفات صورياً في ليلةٍ وضحاها فتتحول الفئات وتتصاعد الأسقف المالية ليعود السعر بعد التخفيض أعلى مما كان عليه قبل القرار
إنه الشغف بالمكسب الذي أفرغ الفعل التربوي من إنسانيته وجعل من حق التلميذ في مقعد دراسي رهينة لسطوة المضاربة والربح السريع
يا لها من مفارقة موجعة أن يقف الأب على عتبة العام الدراسي محاصراً بين نارين
نار التعليم العام الذي بترت سنوات الحرب من جسده الجميل الكثير من جاهزيته
ونار المدارس الخاصة التي تتعامل مع تطلعات أبنائه كبضائع يُدفع ثمنها بالعملة الصعبة أو بما يعادلها من قعر الدخل المتهالك
أين يذهب هذا الأب بأحلام صغاره حين تغدو الرسوم السنوية أغلالاً تكبل أمنياتهم وتوصد الأبواب في وجوههم؟
إن الوقوف بوجه هذا الجشع ليس مجرد مطالبة بتطبيق لائحة أو تعميم إداري بل هو دفاع عن روح المدينة و مستقبلها فإذا سقط الجدار الإنساني والأخلاقي للتعليم وتخلت المؤسسات عن دورها الحاسم في كبح جماح هذا التغول فإننا لا نخسر فقط عاماً دراسياً بل نخسر جيلاً كاملاً يُراد له أن يتعلم أول دروس الحياة على مقاعد الاستغلال والتحايل .
نبض ابين