بقلم الأستاذ أحمد العبيد
لم تعد الجرائم التي ارتكبها ما يُعرف بـ«جيش الإخوان» في السودان تقف عند حدود القتل والتدمير والتهجير، بل تبرز اليوم مؤشرات بالغة الخطورة تتعلق بالسلاح الكيميائي وما يمكن أن يترتب على استخدامه من كارثة إنسانية غير مسبوقة. فقد كشف تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» عن إنشاء الجيش السوداني مخزوناً سرياً من الأسلحة الكيميائية، كما أشار إلى استخدام مادة الكلور، وهي مادة معروفة باستخدامها في تنقية مياه الشرب. وهذه المعطيات، إلى جانب سجل الانتهاكات الواسع المنسوب إلى القوات المتحاربة، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في وقف أي مسار قد يقود إلى استخدام أسلحة محرمة دولياً ضد الشعب السوداني.
والأخطر أن هذه المعلومات تأتي بالتزامن مع مؤشرات ميدانية ونتائج تحقيقات ومواد مصورة جرى تداولها، تتحدث عن ظهور سحب صفراء في مناطق صحراوية عقب عمليات تفجير. ومثل هذه المشاهد لا يجوز تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل في سياق الحرب، بل ينبغي إخضاعها فوراً لفحص علمي مستقل لتحديد طبيعتها ومصدرها. وإذا كانت هناك مواد كيميائية قد استخدمت بالفعل في العمليات العسكرية، فإن الأمر لا يتعلق بجريمة حرب عادية، وإنما بخطر قد يمتد أثره إلى المدنيين والبيئة ومصادر المياه ويهدد حياة أعداد كبيرة من السودانيين.
إن سجل «جيش الإخوان» في هذه الحرب، بما ارتبط به من قصف وتدمير وانتهاكات بحق المدنيين، يجعل التعامل مع هذه المؤشرات أكثر إلحاحاً، وليس أقل. فلا يجوز أن تتحول الحرب إلى مساحة مفتوحة لاختبار أسلحة جديدة أو استخدام مواد سامة ضد مناطق مأهولة بالسكان. إن الإفلات من العقاب هو أحد الأسباب التي سمحت بتفاقم المأساة السودانية، ولذلك فإن أي مؤشرات تتعلق بالأسلحة الكيميائية يجب أن تكون خطاً أحمر أمام المجتمع الدولي، وأن تستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً ومحاسبة المسؤولين عن أي استخدام أو تخزين أو نقل لمواد محظورة.
لقد حان الوقت لكي يدق المجتمع الدولي ناقوس الخطر بصورة جادة، وألا ينتظر وقوع كارثة كيميائية واسعة حتى يتحرك. المطلوب بصورة عاجلة هو إرسال فرق تحقيق دولية متخصصة، وحماية الأدلة والشهود، وفحص المواد المصورة والعينات والمواقع التي شهدت العمليات العسكرية، وضمان عدم العبث بأي أدلة يمكن أن تكشف حقيقة ما حدث. إن الشعب السوداني دفع ثمناً باهظاً بسبب حرب أشعلتها قوى السلاح والتطرف، ولا ينبغي أن يُترك الآن لمواجهة خطر جديد أكثر فتكاً. إن وقف جرائم الحرب ومحاسبة مرتكبيها، ومنع استخدام الأسلحة الكيميائية، يجب أن يصبحا أولوية عاجلة للمجتمع الدولي قبل أن تتحول المؤشرات الحالية إلى كارثة لا يمكن احتواؤها.
نبض ابين