الإثنين , يوليو 27 2026

#أبحث_عنّي!

كتب_صابر_السليس

صوتٌ ما في داخلي يُصر على إزعاجي، لسانه كترس في آلة، وإصبعه لا يهدأ فوق صفحة الجرس القديم المعلق على بأب ذاكرتي؛ الجرس يبدو قديمًا إلا أن به رنين يصدر أنينًا مكتوبًا؛ مكتوبًا أم مكتومًا؟!، لا يهم، المهم أن صوت ذلك الجرس به وهن شديد بسبب ما يعانيه من شيخوخة، ولكنني لا ابالغ أن قلت بانني أشعر معه ببقية من نبض وإخلاص.. نعم إخلاص!.

نهضت بحرصٍ شديدٍ أمشي على اطراف أصابعي، خوفًا من أن أيقض أطفال مشاعري، ففتحت باب ذاكرتي بهدوء يرافقه الحذر، وقبل أن أخرج بكامل جسمي طللت برأسي أولاً وتلفتت يسرة ويمنة وانا ادعو الله سراً بأن لا يصادف خروجي بشر يثقل علي بالقى السلام، ويؤرقني بسؤاله عنّي وعن أحوالي.

لم يكن هناك أحد، لا بشر يرد السلام ولا جن يغويني لفعل الحرام، فدلفت خارجًا تاركًا باب ذاكرتي خلفي مفتوحًا، وأمامه وقفت مثنيًا ساقايا على بعضهما، مستند بكل جسمي على ما تبقى من جدار سور الذكريات المتهاوي، وخبأت كفاي تحت ابطاي بعد أن ثنيت يداي على صدري كما يفعل المصلين، ثم رفعت بصري عبثًا نحو السماء وقبل أن يدعوني فضولي إلى ضرورة معرفة عدد النجوم أغمضت عيناي وعُدت بالزمن إلى الخلف أبحث (عنّي)، علّي أجد شيءٌ منّي تحت هشيم السنوات هُنا أو فوق رفوف المعاناة هناك، أو على أقل تقدير أجد شيءٌ من اشيائي القديمة يذكرني بي، أو يدلني على مكاني.  

عُدت إلى الخلف كثيراً جداً جداً حتى كدت أن اتوه، فقد مررت (بي) حين كنت طفلًا، ولمحت من بين العابي براقي الأصفر ذو الجناحان الأبيضان الذي دعاني فضولي أو براءتي، – لا أعلم –  إلى تحطيمه ذات يوم لكي أعرف ما بداخله، ثم مررت باليوم الذي أرتديت فيه ولأول مرة الشميز الأبيض والبنطال (الكاكي) المائل لونه إلى الأصفر، ورأيتني وانا أخطو في زهو نحو المدرسة، كراهب يتجول في سوق مدينته، معتقدًا بانني قد تحررت من قيود المنزل وقوانيين والدتي الصارمة، وضننت بأنني قد ودعت طفولتي وحققت حلمي في أن أصبح كبيرا. 

جرتني قدماي إلى حيث لا أدري، لا هدف ولا وجهة، اتمائل خلفهُنْ كسعفة نخيل، ويسحباني وسط أزقة قريتي التي لا يتجاوز ارتفاع معظم بيوتها الطينية قامتي، والتي لو نظر المارْ بجانبها إلى أسفل قدميه لراء النائمين بداخلها من خلال النوافذ الصغيرة التي اعتاد الأهالي وضعها على ارتفاع ذراع واحد من الأرض كي تجد نسائيم الهواء العليلة طريقًا إلى جوف غرفها الضيقة. تائهًا أُحدث نفسي بكلامٍ كثيرٍ لا أعلم دوافعه ولا مغزاه، ولا أتذكر شيء من تفاصيل ذاك الحديث الذي باحت بأسراره إشارات يداي بلا شعور منّي وبدون قصد منها، ولم يذكْرني بغايتي سواء سؤالٍ (تدحرج) من قعر حنجرتي، محدثًا صوتًا مدوي على سطح لساني جعلني افوق من حالة التيه التي كنت عليها، فتوقفت كالذي تذكر شيء مهم، وتجمدت في مكاني لا يشبهني في الشكل إلا (منارة عدن) التاريخية التي يبدو إنها هي الأخرى تبحث عن نفسها من منتصف القرن التاسع عشر حتى يوم عباد الله هذا، وكان ذاك السؤال الذي استوقفني: هل أصبحت مجنونًا رسميًا؟.

تعبت قدماي من الوقوف، وأظن أن كل جوارحي تعبت منّي ومن رحلة البحث عنّي، فجثوت على الأرض أتفحص وجوه المارْه وأبحث فيها عن دليل يقودني إلى ذاتي أو يهديني إلى حيث مكاني؛ فتشت طويلًا في ملامح القادمين والمغادرين وامعنت النظر في وجوه من جثوا على الأرض مثلي، وعندما لم أجدني بينهم هممت بسؤالهم عنّي، إلا أن سؤالي لنفسي حال بيني وبين ذلك: متى كشفت الشمس الستار عن ظلام ليل البارحة؟.

عُدت إلى منزلي المتاخم للوادي المخيف جنوب غرب القرية، بعد منتصف الليل من اليوم الثاني، ودخلت متوجسًا خشية من أن يحس بي أحد من أهلي، ونسيت أن أخلع حذائي على عتبت الباب من شدة شوقي إلى احتضان فراش نومي، وبينما كنت في طريقي إلى الفراش لمحت أحدهم يشبهني في المرآة المثبتة على دولاب مقتنياتي والبومات صوري وشهائد خبراتي، بجانب (جِراب) جدتي، وأمام صندوق (الأسلحة) القديمة التي ورثتها عن جدي السابع، فرجعت خطوتين على قفاي حتى أصبحت والمرآة وجهًا لوجه، وبلحقت فيها بعيناي أبحث (عنّي) فلم أجدني، ولم أجد من لمحته فيها قبل قليل، فقمت عبثًا أبحث (عنّي) بين البوم صوري القديمة وشهائد خبراتي، ولم أجد سوى (عبرة) حُكم عليها بالسجن المؤبد في زنازين حلقي، و(دمعة) في الموق لُف حول رقبتها حبل المشنقة تنتظر من يركل كرسي الكبرياء من تحت قدميها كي لا تموت واقفة في عيناي، ثم بحثت يائسًا بين مقتنياتي ولم أجد غير زجاجة (عطر) يعتليها الغبار في أحد رفوف سنوات المراهقة التي عبثت بربيعها الظروف وطحنت مغامراتها الأزمات، ذكرتني رائحتها (بي) وبعيد ميلادي الذي لم أحتفل به قبل 17 عاماً.

نظرت إلى المرآة مرة اخرى فرأيت رجلٌ شاحب الوجه، مترهل الأوداج، غائر العينان، تملأ جبهته اخاديد معاناة السنين، ونتوات الخيبة وحفرها قد غطّت ما تبقى من مساحة وجهه التي لم ينبت عليها شعر لحيته الكثيفة المتزينة بالشعر الأبيض؛ ولبرهة خالية من التفكير رأيت ابتسامة ميّته على شفائف الرجل، وبينما هو كذلك مد يديه نحو لحيته ورأيت اصابعه تغوص في شعرها ثم تعصرها بغل وحقد، فزميت شفائفي واستطرت بعد تنهيدة خرجت من اعماق قلبي بقولي: “يبدو انني هرمت وشاخت ذاكرتي”؛ ثم انني لم اتفاجأ ابدًا حين رأيتني أخلع (عقلي) على باب (الجنان) الكبير وأمد قدمي اليسرى داخلاً بشحمي ولحمي، وبنصف وعيي، بلا حول مني ولا قوة، إلى اعمق داهليزه، ولسان حالي يردد: “اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث”.

عن ahmed

شاهد أيضاً

​نداء النفير والكرامة: تلبية نكف قبائل ردفان واجب وطني مقدس لا يقبل التراجع

​بقلم/ أنور سيول ​يا أبطال الجنوب الأحرار يا رجال العزة والكرامة في كل شبر من …

تغييرات إدارية بلا موازنات… هل المشكلة في المسؤول أم في المنظومة؟

بقلم: نجيب الداعري بينما تضج منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما مجموعات “واتساب”، بالأحاديث عن تغييرات …

إلى من يتحدثون عن المواقف ويحاولون توجيه النضال نحو سراديب المصالح الضيقة:

لم أكن أنتظر منكم دروسا في النضال فمن أفنى عمره في زنازين الاحتلال دفاعاً عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *