الإثنين , سبتمبر 7 2026

خروج الانتقالي من السلطة لا يعني خروج القضية الجنوبية من معادلة الحل

✍️ عقيد / محسن ناجي مسعد

لم يعد المجلس الانتقالي الجنوبي، وفق المعادلة السياسية القائمة اليوم، جزءًا من تركيبة السلطة ومراكز القرار كما كان في مراحل سابقة، غير أن خروجه من دائرة السلطة لا يعني، بأي حال من الأحوال، خروج الجنوب من معادلة الصراع الراهن الأخذ في التجذر، ولا يعني سقوط القضية الجنوبية من حسابات الحل السياسي.
والأهم من ذلك أن خروج المكوّن السياسي من السلطة لا يعني خروج القوات الجنوبية من الميدان؛ فهذه القوات لا تزال تمثل واقعًا عسكريًا وأمنيًا قائمًا، ولا تزال حاضرة وقادرة على أداء دورها في حماية الجنوب والتصدي للتهديدات التي تستهدف أمنه واستقراره، رغم ما تعرضت له من ضغوط ومحاولات لإضعاف حضورها وإعادة تشكيل موازين القوى العسكرية في المحافظات الجنوبية.

لقد أثبتت القوات الجنوبية، خلال سنوات الحرب، أنها كانت طرفًا فاعلًا في مواجهة مليشيات الحوثي، وقدمت تضحيات كبيرة في مختلف الجبهات، وأسهمت في حماية مناطق واسعة من الجنوب من السقوط بيد الحوثيين. ومن ثم، فإن تجاهل هذه الحقيقة أو التعامل معها وكأنها لم تكن، لا يخدم أحدًا، بل يعكس قراءة غير واقعية لطبيعة المشهد العسكري القائم.
فالجنوب لم يحافظ على أمنه وأرضه بالبيانات والمواقف السياسية وحدها، وإنما كان للقوة العسكرية والأمنية الجنوبية دور أساسي في حماية الأرض ومنع تمدد الحوثيين إليها.

ومن هنا، فإن التطورات السياسية والعسكرية والأمنية الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب لموازين القوى، لا تعني أن القوات الجنوبية خرجت من المعادلة، ولا أنها وصلت إلى مرحلة الإفلاس السياسي أو العسكري؛ بل إنها لا تزال جزءًا من واقع عسكري لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن مستقبل الجنوب، أو عن مستقبل الحرب والسلام في اليمن.
وهنا تبرز قضية جوهرية لا يمكن القفز عليها:
هل يمكن مطالبة القوات الجنوبية بالعودة إلى مواجهة الحوثيين بالشروط القديمة، بينما يجري التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفًا مؤجلًا أو قضية قابلة للتجاوز؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بكل وضوح.

لقد شاركت القوات الجنوبية في مراحل سابقة في مواجهة الحوثيين ضمن معادلة سياسية وعسكرية ارتبطت، بصورة أو بأخرى، بالشراكة التي نشأت بين المجلس الانتقالي والسلطة الشرعية، وكانت تلك الشراكة تقوم على ترتيبات سياسية وعسكرية محددة.
لكن المعادلة السياسية تغيرت.
فإذا كان المجلس الانتقالي قد خرج من دائرة السلطة، فمن الخطأ الاعتقاد أن المعادلة العسكرية يمكن أن تبقى كما كانت، وكأن شيئًا لم يتغير. فالسياسة لا تنفصل عن الحرب، والحرب لا يمكن أن تستمر بمعزل عن الحسابات السياسية التي تحكمها.
والخطأ الأكبر هو تفسير التطورات السياسية الأخيرة باعتبارها نهاية للقضية الجنوبية.
القضية الجنوبية ليست المجلس الانتقالي، وليست مرتبطة بشخص أو قيادة أو مكوّن سياسي بعينه.
إنها قضية سياسية وتاريخية نشأت نتيجة تراكمات وأحداث ووقائع، وأصبحت جزءًا أصيلًا من الواقع السياسي والاجتماعي في الجنوب.

ولهذا، فإن إخراج مكوّن سياسي من السلطة لا يعني إخراج قضية بأكملها من التاريخ أو من الواقع أو من طاولة الحل.
فالقضايا السياسية لا تسقط بقرار إداري، ولا تنتهي بالتجاهل، ولا يطويها الزمن ما دامت أسبابها ومطالبها قائمة.
والأخطر من ذلك أن الاستمرار في إدارة القضية الجنوبية بمنطق التسويف والمماطلة وعدم الاكتراث لن يؤدي إلى إنهائها، بل سيعمّق أزمة الثقة، ويوسع الفجوة بين السلطة والشارع الجنوبي، ويجعل أي مواجهة مستقبلية مع الحوثيين أكثر تعقيدًا.
فالسلطة التي تعاني أصلًا من أزمات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية تفوق قدراتها، لا تستطيع أن تخوض صراعًا مفتوحًا على أكثر من جبهة، ثم تتوقع في الوقت ذاته أن تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد قوة عسكرية يمكن استدعاؤها متى شاءت، بينما تبقى مطالبه السياسية خارج دائرة الاهتمام.
وإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى توحيد الجهود في مواجهة الحوثيين، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر تجاهل الجنوب، ولا عبر إضعاف قواته، ولا عبر إعادة إنتاج صراعات داخلية جديدة، وإنما يمر عبر بناء معادلة سياسية أكثر وضوحًا وعدالة، تقوم على الاعتراف بالواقع واحترام التضحيات وتحديد واضح للمسارات السياسية والعسكرية.

فالجنوب لا يطالب بأن تكون قضيته ثمنًا لمشاركته العسكرية، لكنه يرفض في الوقت نفسه أن تتحول تضحيات أبنائه إلى ورقة عسكرية تستفيد منها أطراف ومشاريع سياسية أخرى، بينما تظل المطالب الجنوبية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
لا يمكن أن تكون المعادلة: خذوا من الجنوب قوته العسكرية، واتركوا قضيته السياسية خلفكم.

هذه المعادلة لم تعد قابلة للحياة.

والشرعية، إذا كانت تريد بالفعل توحيد الصفوف في مواجهة الحوثيين، مطالبة بأن تدرك أن القضية الجنوبية ليست عائقًا أمام مواجهة الحوثيين، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من الحل إذا تمت معالجتها سياسيًا بصورة عادلة وواضحة، وبعيدًا عن حالة الغموض التي طالما أحاطت بهذا الملف.
أما محاولة اختزال القضية في المجلس الانتقالي، أو اختزال الجنوب في تشكيل عسكري، فهي محاولة لتبسيط قضية أكبر من الأشخاص والمكونات والترتيبات السياسية المؤقتة.
فالجنوب مجتمع وأرض وهوية وإرادة سياسية، والقضية الجنوبية أوسع من أي إطار تنظيمي، مهما كان حجمه أو تأثيره.
ثم إن الواقع المعيشي في الجنوب يمثل عاملًا آخر لا يمكن تجاهله. فالأزمات المتراكمة في الخدمات والرواتب والكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تدهور قيمة العملة وارتفاع الأسعار، أسهمت في اتساع حالة السخط الشعبي، وأضعفت الثقة بالسلطة التي تعاني أصلًا من فجوة متزايدة بينها وبين الشارع الجنوبي.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا :

كيف يمكن بناء شراكة سياسية وعسكرية مستقرة في ظل غياب الثقة، وفي ظل معاناة طويلة يعيشها المواطن الجنوبي ؟
إن معالجة هذه الأوضاع ليست قضية خدمية فقط، وإنما هي جزء من المعالجة السياسية الشاملة؛ فحين يشعر المواطن بأن السلطة لا تملك القدرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، فإن قدرتها على بناء حاضنة شعبية لأي مشروع سياسي أو عسكري تصبح أكثر صعوبة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس العودة إلى المعادلات القديمة، وإنما إعادة صياغة العلاقة السياسية والعسكرية على أسس جديدة، تقوم على الاعتراف بالواقع، واحترام التضحيات، وتحديد واضح للمسارات السياسية والعسكرية، وعدم استخدام القوة الجنوبية كأداة منفصلة عن القضية التي نشأت في سياقها.

إن مواجهة الحوثيين تحتاج إلى قوة عسكرية حقيقية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى توافق سياسي حقيقي، ولا يمكن بناء هذا التوافق بإدارة الظهر للقضية الجنوبية.
كما أن الجنوب لا يمكن اختزاله في معركة الحوثيين وحدها، ولا يمكن مطالبة أبنائه بتقديم المزيد من التضحيات بينما تظل قضيتهم في مؤخرة جدول الأولويات.
فالشرعية بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الخروج من مأزق عدم تحمل مسؤولياتها تجاه حل القضية الجنوبية، التي باتت، في نظر قطاع واسع من أبناء الجنوب، استحقاقًا سياسيًا لا يحتمل المزيد من التسويف والمماطلة.
وفي المقابل، فإن الجنوب بحاجة إلى البت في قضيته العادلة، التي لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.

غير أن هذه المعادلة ينبغي أن تقوم على أسس من الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح، وعلى احترام حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي، بما في ذلك تطلعهم إلى قيام دولتهم المستقلة، واحترام حق الشماليين في المطالبة بعلاقة قائمة على حسن الجوار والتعاون والمصالح المشتركة مع الدولة الجنوبية المنشودة.
إن الوصول إلى مثل هذه المعادلة لا يمكن أن يقوم على الإكراه أو فرض الأمر الواقع، وإنما يحتاج إلى مسار سياسي واضح يعترف بحقيقة القضية الجنوبية، ويضعها على طريق حل عادل ونهائي، بعيدًا عن الحسابات السياسية الخاطئة ومنطق إدارة الأزمات بدلًا من حلها.
وعلى الشرعية أن تدرك أن معادلة اليوم ليست هي معادلة الأمس.
فخروج المجلس الانتقالي من السلطة لا ينبغي أن يمنح السلطة ذريعة لإخراج القضية الجنوبية من معادلة الحل، بأعتبار أن خروج أي مكوّن سياسي من السلطة لا يمنح أحدًا الحق في مصادرة قضية شعب بأكمله.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن محاولة تأجيل القضية الجنوبية لم تؤدِّ إلى اختفائها، بل جعلتها أكثر حضورًا في المشهد.
ولهذا، فإن الرهان على الزمن، أو على تغيير الأشخاص، أو على تفكيك المكونات السياسية والعسكرية، لن يكون بديلًا عن الحل السياسي.
القضية الجنوبية ستظل حاضرة؛ لأن جذوتها متقدة، وجذورها متجذرة في الواقع، ومطالبها لا تزال قائمة، ولأن قطاعًا واسعًا من أبناء الجنوب ما زال يرى أن مستقبل الجنوب ينبغي أن يُحسم سياسيًا بما يحقق تطلعاته ويمنحه حقوقه المشروعة وغير المنقوصة.

وإذا كانت الأطراف السياسية تريد بالفعل إنهاء الحرب وبناء سلام مستدام، فعليها أن تتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها جزءًا أساسيًا من معادلة الحل، لا عقبة أمامه.
فالسلام الذي يتجاهل جذور الصراع لن يكون سلامًا مستدامًا، والتسوية التي تتجاوز قضية الجنوب ستظل ناقصة، مهما حملت من عناوين وبنود.
أما الاستمرار في سياسة الإنكار والتسويف والمراهنة على كسب الوقت، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، ومزيد من انعدام الثقة، ومزيد من التعقيد في مشهد يمني باتت أوراقه أكثر تشابكًا، وأصبح من الصعب جمعها دون معالجة جذور الأزمات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع.

إن المطلوب اليوم ليس المزيد من المناورات السياسية، أو التلاعب بالألفاظ، أو البحث عن الذرائع والمبررات التي لن تجدي نفعًا ولن تعفي السلطة من تحمل مسؤولياتها تجاه حل قضية شعب الجنوب حلًا عادلًا وواضحًا دون مواربة.
فالجنوب ليس ورقة تفاوض مؤقتة، وقضيته ليست ملفًا قابلًا للإغلاق بقرار سياسي، وتضحيات أبنائه لا يمكن أن تذهب هدرًا، ولا يمكن اختزالها بإجراءات إدارية أو محاولة احتوائها ضمن إطار سياسي لا ينسجم مع تطلعات الجنوبيين.
ومن يريد مواجهة الحوثيين بجدية، فعليه أن يدرك أن بناء جبهة داخلية متماسكة يبدأ من معالجة أسباب الانقسام، واحترام تضحيات الجنوب، والاعتراف بأن القضية الجنوبية تمثل أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية سياسية شاملة.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل اليمن لن يُبنى بتأجيل القضايا الكبرى أو القفز عليها، وإنما بمواجهتها بشجاعة ووضع حلول واقعية لها.
فخروج الانتقالي من السلطة لا ينبغي أن تتخذ منه السلطة ذريعة للتملص من وضع مقاربة سياسية شاملة لحل القضية الجنوبية التي لا يقبل حلها التأجيل الذي جعل السلطة تعتقد خطئا بأن خروج الأنتقالي من السلطة قد مثل فرصة تحول دون امكانية وضع القضية الجنوبية ضمن معادلة الحل؛ الذي لا تكترث له السلطة حتى الأن دون أن تأخذ بأعتبارها بأن القضية الجنوبية أكبر من المجلس، وأبقى من السلطة، وأعمق من أي ترتيبات سياسية مؤقتة، يستحيل أن تكون بديلًا عن الحل السياسي العادل الذي تنتظره القضية الجنوبية.
والسلام الحقيقي لن يولد من تجاهل هذه الحقيقة، وإنما من الاعتراف بها ووضعها في المكان الذي تستحقه على طاولة الحل السياسي، بما يفتح الطريق أمام تسوية عادلة ومستقبل أكثر استقرارًا للجنوب واليمن والمنطقة بأسرها.

عن ahmed

شاهد أيضاً

هل المناطقية معيارًا للاختيار في اللجان المجتمعية

بقلم الشيخ/ حسين المحثوثيعندما تصبح المناطقية معيارًا للاختيارمن المؤسف أن تتحول اللجان المجتمعية، التي يفترض …

ماذا فعل الدكتور الرباش بمدير صحة أحور “مقال يوضح”

كتب – محمد بن مهدي العولقي ماذا فعل محافظ محافظة ابين … مختار الرباش .بناء …

المدارس الخاصة في عدن حولت التعليم لسلعة تباع بالمزاد

بقلم: احمد السيد عيدروس عدن اليوم ترزح تحت وطأة كارتيلات التعليم الخاص وهذا تجسيد حي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *