بقلم / صالح علي محمد الدويل
((لا يمكن لشعبٍ صنعته التجارب القاسية وقدم أغلى التضحيات أن يتراجع فالجنوب ليس ملفاً عابراً يغلق بالمكائد بل هو هوية راسخة وحلم دولة يمضي بإصرار نحو التحقق قد تطول المسافات وتكبر العقبات لكن إرادة الشعوب الحية تبقى أقوى من كل التحديات))
هذه الفقرة وأشباهها تتردد كثيراً في خطابنا السياسي الجنوبي وهي فقرة جميلة بلاغياً تصلح للهتاف ولرفع المعنويات وتلامس وجدان كل جنوبي آمن وضحى وقدم لقضيته لكن إذا أخضعناها لمشرط التحليل السياسي البارد سنجدها فقرة لا تجدي كاستراتيجية
فالتاريخ الحديث يثبت أن إرادة الشعوب تمنع أي حلول لا تلبي أهدافها لكنها وحدها لا تنصر القضايا لتؤسس دول ، فهناك شعوب قدمت أضعاف ما قدمنا من تضحيات ودماء منذ سبعين عاماً كالشعب الفلسطيني والكردي ، وشعب الصحراء الغربية والتاميل في سريلانكا… إلخ ، وروت أرضها بدماء أبنائها وصاغت المحن إرادتها ، ومع ذلك لم تستعد دولتها حتى اليوم لماذا؟ لأن إرادة الشعب هي الشرط الأول لكنها ليست الشرط الوحيد
والقول بأن “الجنوب ليس قضية تطويها المؤامرات” هو إنكار للواقع ، فالحقيقة أن الجنوب طويت دولته فعلاً في عام 1990 اما بغباء سياسي او بمؤامرة سياسية وطوي مشروعه في 1994 بحرب ويتم تطويقه اليوم بأدوات أخرى فكل القضايا قابلة للطي إذا لم تدار بذكاء وحكمة فلا يوجد شعب محصن من المؤامرات بالشعارات
الدولة لا تسكن في الوجدان فقط فالوجدان يحفظ القضية في القلوب لكن الدولة تحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير: تحتاج إلى اقتصاد ومؤسسات تخدم الناس ، وتحتاج وحدة صف جنوبي حقيقية تقوم على الحوار والتنازل المتبادل وليس على التخوين وتحتاج إلى علاقات إقليمية ودولية ذكية تقنع العالم بمشروعنا وجيش وأمن يحمي المنجز لكن أزمة الجنوب متوارثة: كلما ظهرت قيادة جديدة التفّت حولها تحالفات مناطقية ومصلحية أربكتها وفشلنا في مخاطبة مصالح القوى الدولية التي تدفعها لدعمنا في مراكز القرار
إرادة الشعوب لا تهزم عندما تتحول من هتاف إلى مشروع ومن عاطفة إلى مؤسسة ومن شعار إلى خطة وهذا التحول لن يحدث إلا عبر تحويل التفويض الشعبي من شيك مفتوح إلى مسؤولية متجددة عبر تفعيل المؤسسات لا الأشخاص وفتح قنوات الحوار الداخلي واحترام النقد والإصغاء للرأي العام الجنوبي وبناء آليات محاسبة وتقييم شفافة وتحويل الأهداف السياسية إلى برامج تنفيذية بعقل الدولة لا بعقل الحشد.
ان الاكتفاء بالرهان على صمود الشعب ودماء أبنائه وينسى العمل السياسي والاقتصادي والتوازن المحلي والعلاقات الدولية والاقليمية وحساب تاثيرها بدقة فإنه للأسف قابل للانكسار او الاحتواء وإن طال صموده ، فالحقوق لا يحرسها الصمود وحده بل يحرسها العقل الذي يدير هذا الصمود.
نبض ابين